هل أنصف التاريخ سليم الحص وجورج قرم؟
في زمنٍ لبنانيٍّ صاخب، حيث ارتفعت أصوات الشعبوية فوق لغة الأرقام، وتقدّمت التسويات السياسية على حساب المنطق الاقتصادي، برز اسمان شكّلا استثناءً نادرًا، الرئيس الراحل سليم الحص، والوزير والمفكر الاقتصادي الراحل جورج قرم. كلاهما جمع بين المعرفة الاقتصادية ورؤية رجل الدولة، وكلاهما اختار الوقوف في موقع غير مريح، موقع الدولة قبل الزعامة، والمؤسسة قبل الطائفة، والاقتصاد المنتج قبل الريع السياسي، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أن انهار النموذج الذي حذّرا منه، هو هل أنصفهما التاريخ أم ظلمهما زمنهما؟
"الفوضى الخلاقة" التي دمرت الاقتصادات
في مطلع العقد الثاني من الألفية بدا وكأن التاريخ منح المنطقة العربية فرصة نادرة. خرجت الشعوب من تونس إلى القاهرة، ومن دمشق إلى بيروت، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وكأن السياسة ستفتح أخيرا على مستقبل مختلف. لكن ما لم يُطرح يومها، أو طُرح بخجل، هو السؤال الاقتصادي: ماذا بعد سقوط الأنظمة أو اهتزازها؟ من سيدير الدول، ومن سيدفع كلفة الانتقال؟
نموذج لبنان الذي لم تعرِفه النظريات
حين عبّر زميلي، عند خروجه إلى التقاعد من كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال، عن خيبة أمله من الفجوة بين ما درّسه لعقود وما عاشه لبنان في سنوات الانهيار، لم يكن يقدّم موقفا عاطفيا أو مراجعة شخصية متأخرة، بل كان يلامس جوهر أزمة معرفية عميقة. فالتجربة اللبنانية لم تُشكّل مجرّد حالة فشل اقتصادي، بل تحوّلت إلى اختبار قاس لقدرة علم الاقتصاد، بصيغته التعليمية السائدة، على الفهم والتفسير، ناهيك عن التنبؤ.
لو كنت أنا الحاكم
لو كنتُ أنا حاكم مصرف لبنان، لما انتظرتُ الانهيار كي اكتشف أن النموذج كان يحتضر منذ سنوات. كنتُ سأبدأ من اللحظة التي بدأ فيها الواقع يناقض الخطاب، لا من اللحظة التي انهار فيها الخطاب نفسه. فبين عامي 2011 و2014، حين بدأت التحويلات الخارجية إلى لبنان تتراجع بوضوح، كان الإنذار قد دقّ باكرًا. اقتصاد يعتمد على تدفقات بالدولار لا يمكنه تجاهل انخفاض هذه التدفقات من نحو 8.5 مليارات دولار سنويًا إلى أقل من سبعة مليارات، فيما يستمر في تثبيت سعر الصرف وكأن الزمن متجمّد، وكأن السياسة النقدية محصّنة ضد الجغرافيا والسياسة والحروب من حولها.
من استفاد من الانهيار في لبنان؟
لم يأتِ الانهيار المالي في لبنان كزلزال طبيعي لا يمكن توقّعه أو تفاديه، بل كان نتيجة مسار طويل من القرارات السياسية والمالية التي راكمت المخاطر، ثم اختارت في لحظة الانفجار أن توزّع الخسائر بانتقائية فاضحة.
المصارف الأجنبية...هل تعيد الثقة أم تكشف عمق الأزمة؟
لم يعد خافيًا أن جزءًا كبيرًا من الكتلة النقدية بالدولار في لبنان بات خارج النظام المصرفي، مخزّنًا في المنازل أو متداولًا نقدًا، في ظاهرة غير مسبوقة تُقدَّر قيمتها بأكثر من عشرة مليارات دولار. هذه الأموال لم تخرج من المصارف بدافع المضاربة أو التهرّب، بل نتيجة انهيار الثقة الكامل بين المودعين والنظام المالي، بعد أن اكتشف اللبنانيون أن ودائعهم لم تكن محمية بقانون ولا بقضاء ولا حتى بميزانيات مصرفية شفافة.
لماذا لم يقرع جرس الإنذار؟
لا تنهار الاقتصادات بين ليلة وضحاها، ولا تسقط الأنظمة المالية بسبب قرار عابر. فالانهيارات الكبرى تسبقها دائمًا مؤشرات واضحة وأرقام يفترض أن تلتقطها المؤسسات المكلفة بحماية الاستقرار النقدي. وعندما تتجاهل الدولة تلك الإشارات أو تؤجل الاعتراف بها، يتحول الانهيار من احتمال إلى مسألة وقت.
لبنان كأحد أغلى اقتصادات العالم
لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان تُقاس بسعر صرف الليرة أو بعدد الليرات التي يحتاجها المواطن لشراء الدولار، بل باتت تُقاس بسؤال أكثر جوهرية: كم بقي من القدرة الشرائية للدخل؟ فالقيمة الحقيقية للعملة لا تحددها أسعار الصرف وحدها، وإنما ما تستطيع الأجور شراءه من سلع وخدمات.
فلسفة القوة في زمن البنادق المستعارة
في طرابلس، حيث لا تحتاج إلى بذل جهد كبير لسماع صرير السلاح أو تلمّس آثار الرصاص على الجدران العتيقة، يبدو الحديث عن "مفهوم القوة" ترفاً فكرياً يخص أساتذة الجامعات وحدهم. لكنني كلما تأملت في جدار الانسداد السياسي الراهن، أو عاينت انهيار مؤسساتنا الخدمية والقضائية والمالية، أجدني عائداً إلى قناعة قديمة: إن علتنا الأساسية في لبنان والمنطقة ليست نقصاً في السلاح، بل سوء فهم قاتل وبنيوي لمعنى السلطة والنفوذ.
كيف تكون الديمقراطية؟
تعرف الديمقراطية في الغالب على إنها ذلك النظام الحاكم الذي يُمَكَن ويَتَمَكَن بإرادة الناس متوافقًا مع المنحنى الذي ترغب به الجماهير أو كما أوجز إبراهام لينكولن ذلك بقوله إنها نظام حكم من الشعب وإلى الشعب ولأجل الشعب. ولذلك ينظر إلى النظام على إنه ديمقراطي عندما يسعى أن يلبي إرادة الناس دون الخوض في تفاصيل هيكل النظام.