هل أنصف التاريخ سليم الحص وجورج قرم؟

08 September 2026
سليم الحص وجورج قرم شخصيتان لبنانيتان معروفتان اقتصاديا وفكريا (وسائل التواصل)
سليم الحص وجورج قرم شخصيتان لبنانيتان معروفتان اقتصاديا وفكريا (وسائل التواصل)
riadhilal@yahoo.com
رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

في زمنٍ لبنانيٍّ صاخب، حيث ارتفعت أصوات الشعبوية فوق لغة الأرقام، وتقدّمت التسويات السياسية على حساب المنطق الاقتصادي، برز اسمان شكّلا استثناءً نادرًا، الرئيس الراحل سليم الحص، والوزير والمفكر الاقتصادي الراحل جورج قرم. كلاهما جمع بين المعرفة الاقتصادية ورؤية رجل الدولة، وكلاهما اختار الوقوف في موقع غير مريح، موقع الدولة قبل الزعامة، والمؤسسة قبل الطائفة، والاقتصاد المنتج قبل الريع السياسي، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أن انهار النموذج الذي حذّرا منه، هو هل أنصفهما التاريخ أم ظلمهما زمنهما؟ 

لم يكن سليم الحص سياسيًا تقليديًا، أتى من عالم الاقتصاد الأكاديمي إلى الحكم في أكثر مراحل لبنان اضطرابًا، وحاول إدارة دولة تتآكل سيادتها ومؤسساتها في آن، كان يؤمن بدولة القانون والمالية العامة المنضبطة، ورفض منطق الاستدانة السهلة والإنفاق السياسي، في وقتٍ كانت فيه الطبقة السياسية تعتبر الدين أداة حكم لا خطرًا وجوديًا. لم يكن شعبويًا، ولم يتقن لغة “الزعيم”، فدفع ثمن ذلك عزلة سياسية واتهامات بالجمود، فيما كان في الواقع يحاول حماية ما تبقّى من فكرة الدولة. 

أما جورج قرم، فكان المفكر الذي سبق زمنه بسنوات، وربما بعقود، كوزير مالية، وكباحث، خاض معركة فكرية ضد النموذج الريعي الذي ساد بعد الحرب، وضد تحويل لبنان إلى اقتصاد خدمات هشّ بلا قاعدة إنتاجية. حذّر مبكرًا من خطر استنساخ النماذج الاقتصادية المرتكزة على الدين، ومن ربط الاستقرار السياسي بتدفقات مالية خارجية لا بإصلاحات بنيوية. في كتبه ومقالاته، فكّك الأساطير التي بُني عليها “النموذج اللبناني”، واعتبر أن ما يُقدَّم على أنه ليبرالية اقتصادية ليس سوى زواج غير شرعي بين المصارف والسياسة. 

اللافت أن الرجلين، رغم اختلاف أسلوبيهما، التقيا عند جوهر واحد: لا دولة بلا مؤسسات، ولا اقتصاد بلا إنتاج، ولا استقرار بلا عدالة مالية، لكن هذا الجوهر لم يكن مرغوبًا في لبنان ما بعد الحرب، كان المطلوب زعماء لا رجال دولة، وخطابات لا خططًا، وهندسات مالية تُخفي العجز بدل مواجهته، لذلك جرى تهميش الحص وقرم سياسيًا وإعلاميًا، ووُضعا في خانة “الواقعيين أكثر من اللازم” في بلد لا يكافئ الواقعية. 

هل أنصفهما التاريخ؟ جزئيًا فقط. أنصفهما في النتيجة لا في المسار، فكل ما حذّرا منه وقع: انفجار الدين العام، انهيار الليرة، سقوط القطاع المصرفي، وانكشاف وهم الاقتصاد الريعي، لكن التاريخ اللبناني القريب لم يمنحهما لحظة الاعتراف التي يستحقانها وهما على قيد الحياة، لم يتحوّلا إلى مرجعين وطنيين، بل إلى أصوات معارضة داخل نظام لا يحب المرايا. 

اليوم، بعد الانهيار، يُعاد اكتشاف أفكارهما وكأنها نبوءات، لا سياسات بديلة كان يمكن اعتمادها. وهنا تكمن المأساة اللبنانية: نحن لا نكافئ من يُحذّر، بل من يُطمئن؛ لا نُصغي لمن يقول “لا”، بل لمن يَعِد بلا حساب، سليم الحص وجورج قرم لم يخسرا معركتهما الفكرية، لكنهما خسرا معركة السلطة في بلدٍ اعتاد أن يُقصي رجالات الدولة ويحتفي بمهندسي الانهيار. 

ربما لم يُنصفهما زمنهما، لكن إن كان للتاريخ المتأخر عدالة، فإن إعادة قراءة تجربتهما اليوم ليست واجب وفاء فحسب، بل شرطًا لفهم كيف خسر لبنان فرصة بناء دولة، حين اختار أن يدير أزماته بدل أن يمنعها.