لماذا لم يقرع جرس الإنذار؟
لا تنهار الاقتصادات بين ليلة وضحاها، ولا تسقط الأنظمة المالية بسبب قرار عابر. فالانهيارات الكبرى تسبقها دائمًا مؤشرات واضحة وأرقام يفترض أن تلتقطها المؤسسات المكلفة بحماية الاستقرار النقدي. وعندما تتجاهل الدولة تلك الإشارات أو تؤجل الاعتراف بها، يتحول الانهيار من احتمال إلى مسألة وقت.
كيف تفقد الدول جاذبيتها الاستثمارية؟
قبل أن يفتح المستثمر أي ملف، هناك قرار يُتخذ بصمت، ليس قرار الاستثمار، بل قرار أبسط وأخطر: هل هذه الرواية، بما تطرحه من فرص، جديرة حقًا بالثقة؟ قبل الأرقام، قبل المؤشرات، وقبل دراسات الجدوى، يُحسم هذا السؤال. وهو ليس انطباعًا عاطفيًا عابرًا، بل حكم عقلاني يسبق كل ما يليه.
الدولار الذي يسكن رغيف الخبز
قد لا يحمل المواطن المصري دولارا واحدا في جيبه، وقد تمر حياته كلها دون الحاجة ليقف أمام شباك صراف واحد لشراء الدولار، لكنه مع ذلك يدفع ثمن الدولار كل يوم، حين يشتري دواءً جاءت مادته الفعالة من الخارج، أو رغيفا صُنع من قمح مستورد، أو جهازًا جُمعت أجزاؤه في مصنع مصري بينما وصلت مكوناته بالدولار، بل قد يدفعه في سلعة يظنها محلية تمامًا، لأن المصنع الذي أنتجها استورد الآلة وقطعة الغيار ومادة التعبئة، وربما البذور أو الأعلاف التي بدأت منها دورة الإنتاج.
من يسيطر على اقتصاد العالم؟
في عام 1581 اتخذت إمبراطورية مينغ الصينية قراراً اقتصادياً بدا في حينه أقرب إلى العبقرية المالية، توحيد النظام الضريبي والتجاري على أساس الفضة. تدفقت كميات هائلة من المعدن النفيس إلى الصين من مناجم أميركا اللاتينية عبر التجارة الإسبانية، وازدهرت الإمبراطورية لعقود حتى بدت وكأنها مركز الاقتصاد العالمي بلا منازع. لكن خلف هذا الازدهار كانت تكمن هشاشة قاتلة، الصين لم تكن تتحكم بمصادر الفضة، بل كانت تعتمد على تدفقات خارجية لا تملك السيطرة عليها.
أزمة الغلاء في أوروبا
لم تعد أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة في أوروبا مجرد أرقام وإحصاءات، بل تجسدت في واقع يومي يعيشه السكان في أكبر مدن القارة. منذ 2022 صعدت الأسعار بوتيرة غير مسبوقة، بينما ظل النمو في الأجور ضعيفا، ما أجبر ملايين الأوروبيين على إعادة ترتيب أولوياتهم المالية وتعديل أنماط حياتهم.
هل أنصف التاريخ سليم الحص وجورج قرم؟
في زمنٍ لبنانيٍّ صاخب، حيث ارتفعت أصوات الشعبوية فوق لغة الأرقام، وتقدّمت التسويات السياسية على حساب المنطق الاقتصادي، برز اسمان شكّلا استثناءً نادرًا، الرئيس الراحل سليم الحص، والوزير والمفكر الاقتصادي الراحل جورج قرم. كلاهما جمع بين المعرفة الاقتصادية ورؤية رجل الدولة، وكلاهما اختار الوقوف في موقع غير مريح، موقع الدولة قبل الزعامة، والمؤسسة قبل الطائفة، والاقتصاد المنتج قبل الريع السياسي، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أن انهار النموذج الذي حذّرا منه، هو هل أنصفهما التاريخ أم ظلمهما زمنهما؟
هل يزيد الذكاء الاصطناعي مكاسب الأعمال؟
عندما يقول رجال الأعمال إن الذكاء الاصطناعي سيقلل التكاليف، فإن نظرتهم قاصرة. نعم، سيؤدي الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى خفض النفقات ورفع الكفاءة، لكنه سيخلق مشكلة كبرى تتمثل في البطالة، ومعها يتراجع الاستهلاك، وعندها يبرز السؤال الضخم: مَن الذي سيشتري منتجاتهم وخدماتهم، إن الذكاء الاصطناعي يخلق مفارقة خطيرة: منتجون بلا مستهلكين.
لو كنت أنا الحاكم
لو كنتُ أنا حاكم مصرف لبنان، لما انتظرتُ الانهيار كي اكتشف أن النموذج كان يحتضر منذ سنوات. كنتُ سأبدأ من اللحظة التي بدأ فيها الواقع يناقض الخطاب، لا من اللحظة التي انهار فيها الخطاب نفسه. فبين عامي 2011 و2014، حين بدأت التحويلات الخارجية إلى لبنان تتراجع بوضوح، كان الإنذار قد دقّ باكرًا. اقتصاد يعتمد على تدفقات بالدولار لا يمكنه تجاهل انخفاض هذه التدفقات من نحو 8.5 مليارات دولار سنويًا إلى أقل من سبعة مليارات، فيما يستمر في تثبيت سعر الصرف وكأن الزمن متجمّد، وكأن السياسة النقدية محصّنة ضد الجغرافيا والسياسة والحروب من حولها.
ليبيا.. القوة تبدأ من الشرعية
في عالم تتصارع فيه الدول على الموارد والثروات يثبت التاريخ أن القوة الاقتصادية الحقيقية لا تقاس بما تمتلكه الدولة بل بما تستطيع تحويله إلى قدرة فعلية على الإنتاج والاستثمار والتنويع الشرعية بمختلف أشكالها القانونية النظامية. والإنجاز هو المفتاح الذي يحول الموارد إلى تنمية ويجعل الدولة قادرة على تحقيق النمو المستدام، وفي هذا الاطار تقدم ليبيا مثال حي على التحدي المعقد الذي يواجه الدولة حين تتوزع الشرعية فتتحول القوة الكامنة إلى صراع بدل أن تصبح محركا للتقدم.
المصارف الأجنبية...هل تعيد الثقة أم تكشف عمق الأزمة؟
لم يعد خافيًا أن جزءًا كبيرًا من الكتلة النقدية بالدولار في لبنان بات خارج النظام المصرفي، مخزّنًا في المنازل أو متداولًا نقدًا، في ظاهرة غير مسبوقة تُقدَّر قيمتها بأكثر من عشرة مليارات دولار. هذه الأموال لم تخرج من المصارف بدافع المضاربة أو التهرّب، بل نتيجة انهيار الثقة الكامل بين المودعين والنظام المالي، بعد أن اكتشف اللبنانيون أن ودائعهم لم تكن محمية بقانون ولا بقضاء ولا حتى بميزانيات مصرفية شفافة.