من يسيطر على اقتصاد العالم؟
في عام 1581 اتخذت إمبراطورية مينغ الصينية قراراً اقتصادياً بدا في حينه أقرب إلى العبقرية المالية، توحيد النظام الضريبي والتجاري على أساس الفضة. تدفقت كميات هائلة من المعدن النفيس إلى الصين من مناجم أميركا اللاتينية عبر التجارة الإسبانية، وازدهرت الإمبراطورية لعقود حتى بدت وكأنها مركز الاقتصاد العالمي بلا منازع. لكن خلف هذا الازدهار كانت تكمن هشاشة قاتلة، الصين لم تكن تتحكم بمصادر الفضة، بل كانت تعتمد على تدفقات خارجية لا تملك السيطرة عليها.
وعندما تعثرت سلاسل الإمداد العالمية، وتراجعت تدفقات الفضة بسبب الأزمات والحروب والقرصنة والانكماش في الإنتاج الإسباني، دخل الاقتصاد الصيني في حالة اختناق نقدي حاد. انهارت التجارة، تفاقمت المجاعة والاضطرابات الاجتماعية، وبدأت الإمبراطورية تفقد توازنها الداخلي وصولاً إلى سقوطها لاحقاً. لم يكن الانهيار نتيجة ضعف إنتاجي، بل نتيجة ارتهان البنية النقدية لمصدر خارجي لا تتحكم به الدولة.
بعد أكثر من أربعة قرون تبدو بكين وكأنها تستحضر هذا الدرس التاريخي بوعي شديد، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.
الصين اليوم ليست مجرد دولة صناعية كبرى، بل العمود الفقري لسلاسل التوريد العالمية. فهي تنتج ما يقارب من 30 في المئة من السلع الصناعية في العالم، وتسيطر على قطاعات استراتيجية تمتد من البطاريات والمعادن النادرة إلى الطاقة الشمسية والإلكترونيات المتقدمة. ومع ذلك، فإن هذا العملاق الصناعي لا يزال يعمل داخل نظام مالي عالمي تهيمن عليه الولايات المتحدة. هنا تحديداً تكمن المعضلة الصينية الحديثة.
فرغم قوة الاقتصاد الصيني، ما زالت غالبية التجارة الدولية تُسعّر بالدولار، وما زالت أنظمة الدفع العالمية الأساسية تدور ضمن الفضاء المالي الأميركي. كما تحتفظ بكين بجزء ضخم من احتياطاتها في سندات الخزانة الأميركية، فيما يعتمد جزء من قطاعها التكنولوجي على مكونات وبرمجيات غربية متقدمة، وهذا يعني أن الصين رغم قوتها الإنتاجية، لا تزال مرتبطة بشبكة مالية ونقدية تستطيع واشنطن التأثير فيها عند أي مواجهة كبرى.
ومن هنا، لا يمكن فهم التحركات الصينية الحالية بمعزل عما تعتبره بكين “استراتيجية تطويق أميركية” آخذة بالتوسع. فالصراع لم يعد تجارياً فقط، بل تحول تدريجياً إلى عملية خنق استراتيجية متعددة الأبعاد: قيود على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة، إعادة تموضع عسكري أميركي في آسيا، تحالفات بحرية حول بحر الصين الجنوبي، ضغوط على سلاسل الإمداد، ومحاولات لتقليل الاعتماد الغربي على الصناعة الصينية. ومع تصاعد المواجهة الأميركية–الإيرانية، تزداد المخاوف الصينية من أن يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة إضافية لاستنزاف نفوذ خصوم واشنطن، وعلى رأسهم طهران وبكين.
تنظر الصين إلى إيران ليس فقط كشريك نفطي، بل كحلقة جيوسياسية أساسية ضمن مشروع "طريق الحرير الجديد"، وكممر استراتيجي يربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. وبالتالي، فإن أي حرب واسعة أو محاولة لإسقاط النفوذ الإيراني قد تعني عملياً تضييقاً إضافياً على خطوط الطاقة والتجارة الصينية.
لهذا السبب لا تسعى بكين إلى مواجهة مباشرة مع الدولار أو مع الولايات المتحدة، بل إلى بناء ما يمكن وصفه بالمرونة السيادية. أي تقليل الاعتماد على البنية المالية الغربية تدريجياً، من دون تفجير النظام العالمي دفعة واحدة.
ضمن هذا السياق تعمل الصين على عدة مسارات متوازية: توسيع استخدام اليوان في التجارة الثنائية، بناء نظام المدفوعات الصيني CIPS كبديل جزئي عن SWIFT، تطوير اليوان الرقمي، زيادة احتياطيات الذهب، وتقليص التعرض التدريجي للسندات الأميركية. كما تضخ استثمارات هائلة لتحقيق الاكتفاء التكنولوجي في الرقائق والذكاء الاصطناعي والطاقة.
لكن رغم كل ذلك، لا يزال الدولار يحتفظ بتفوقه العالمي. فالقوة الحقيقية للعملة الأميركية لا تكمن فقط في الاقتصاد الأميركي، بل في عمق الأسواق المالية، وسيولة سندات الخزانة، والثقة القانونية والمؤسساتية التي لم تستطع الصين حتى الآن توفير بديل مماثل لها. كما أن اليوان ما زال يخضع لقيود رأسمالية صارمة تحد من تحوله إلى عملة احتياط عالمية كاملة.
لذلك، فإن العالم لا يتجه على الأرجح إلى سقوط مفاجئ للدولار، بل إلى نظام نقدي أكثر تعددية وتنافساً. نظام تتراجع فيه الهيمنة الأميركية تدريجياً من دون أن تختفي بالكامل، بينما تحاول الصين بناء فضائها المالي الخاص ببطء وحذر.
الدرس الذي يبدو أن بكين استوعبته جيداً من تجربة مينغ هو أن القوة الصناعية وحدها لا تكفي. الاقتصاد الذي يعتمد على سيولة أو بنية مالية يسيطر عليها خصم استراتيجي يبقى عرضة للاختناق مهما بلغت قوته الإنتاجية.
وفي عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الانقسام الجيوسياسي، قد تصبح السيطرة على أنظمة الدفع والطاقة والتكنولوجيا أخطر من السيطرة على الجيوش نفسها. هنا تحديداً، لا تبدو معركة الصين مع الولايات المتحدة مجرد منافسة اقتصادية، بل صراعاً طويل الأمد على من يملك “شرايين الاقتصاد العالمي” في القرن الحادي والعشرين.