لبنان كأحد أغلى اقتصادات العالم
لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان تُقاس بسعر صرف الليرة أو بعدد الليرات التي يحتاجها المواطن لشراء الدولار، بل باتت تُقاس بسؤال أكثر جوهرية: كم بقي من القدرة الشرائية للدخل؟ فالقيمة الحقيقية للعملة لا تحددها أسعار الصرف وحدها، وإنما ما تستطيع الأجور شراءه من سلع وخدمات.
الدولار الذي يسكن رغيف الخبز
قد لا يحمل المواطن المصري دولارا واحدا في جيبه، وقد تمر حياته كلها دون الحاجة ليقف أمام شباك صراف واحد لشراء الدولار، لكنه مع ذلك يدفع ثمن الدولار كل يوم، حين يشتري دواءً جاءت مادته الفعالة من الخارج، أو رغيفا صُنع من قمح مستورد، أو جهازًا جُمعت أجزاؤه في مصنع مصري بينما وصلت مكوناته بالدولار، بل قد يدفعه في سلعة يظنها محلية تمامًا، لأن المصنع الذي أنتجها استورد الآلة وقطعة الغيار ومادة التعبئة، وربما البذور أو الأعلاف التي بدأت منها دورة الإنتاج.
معادلة الدولار في لبنان
في معظم دول العالم، تُعدّ العملة الوطنية أحد أبرز رموز السيادة. فهي الأداة التي تُدفع بها الرواتب، وتُسدَّد بها الضرائب، وتُسعَّر بها السلع، ويُقاس بها النشاط الاقتصادي. أما في لبنان، فقد انقلبت هذه المعادلة خلال سنوات قليلة. فالليرة اللبنانية ما زالت العملة الرسمية بحكم القانون، لكن الدولار الأميركي أصبح، بحكم الواقع، العملة التي تحكم الاقتصاد.
من يسيطر على اقتصاد العالم؟
في عام 1581 اتخذت إمبراطورية مينغ الصينية قراراً اقتصادياً بدا في حينه أقرب إلى العبقرية المالية، توحيد النظام الضريبي والتجاري على أساس الفضة. تدفقت كميات هائلة من المعدن النفيس إلى الصين من مناجم أميركا اللاتينية عبر التجارة الإسبانية، وازدهرت الإمبراطورية لعقود حتى بدت وكأنها مركز الاقتصاد العالمي بلا منازع. لكن خلف هذا الازدهار كانت تكمن هشاشة قاتلة، الصين لم تكن تتحكم بمصادر الفضة، بل كانت تعتمد على تدفقات خارجية لا تملك السيطرة عليها.
من استفاد من الانهيار في لبنان؟
لم يأتِ الانهيار المالي في لبنان كزلزال طبيعي لا يمكن توقّعه أو تفاديه، بل كان نتيجة مسار طويل من القرارات السياسية والمالية التي راكمت المخاطر، ثم اختارت في لحظة الانفجار أن توزّع الخسائر بانتقائية فاضحة.
الذهب يتمرد على الدولار
ما كان يُنظر إليه لعقود على أنه رقصة متناغمة بين الدولار الأمريكي والذهب بدأ يتفكك أمام أعين الأسواق. في سنوات سابقة، كان الدولار وحيدًا شبه مطلق الهيمنة على النظام المالي العالمي، بينما ظل الذهب أداتًا جانبية للحماية.