معادلة الدولار في لبنان
في معظم دول العالم، تُعدّ العملة الوطنية أحد أبرز رموز السيادة. فهي الأداة التي تُدفع بها الرواتب، وتُسدَّد بها الضرائب، وتُسعَّر بها السلع، ويُقاس بها النشاط الاقتصادي. أما في لبنان، فقد انقلبت هذه المعادلة خلال سنوات قليلة. فالليرة اللبنانية ما زالت العملة الرسمية بحكم القانون، لكن الدولار الأميركي أصبح، بحكم الواقع، العملة التي تحكم الاقتصاد.
لم يعد الدولار في لبنان مجرد وسيلة لحفظ القيمة أو للتجارة الخارجية، بل أصبح المرجع اليومي للتسعير والدفع والادخار. فمن الشقق والسيارات إلى الأقساط المدرسية والجامعية، ومن الاستشفاء إلى المطاعم والفنادق والمتاجر الكبرى، تُحدَّد الأسعار بالدولار، بينما تراجع دور الليرة إلى حد كبير ليقتصر على رواتب القطاع العام، وبعض المعاملات الرسمية، وتسديد عدد من الضرائب والرسوم، فيما يستخدمها كثير من التجار في الحياة اليومية بوصفها "فراطة" لإعادة الباقي إلى الزبائن.
هذه الظاهرة لا تعكس مجرد تغير في وسائل الدفع، بل تكشف تحولاً بنيوياً في الاقتصاد اللبناني، حيث فقدت الدولة عملياً جزءاً كبيراً من سيادتها النقدية.
في تقريره الأخير عن الاقتصاد اللبناني، أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد سجل نمواً حقيقياً بنحو 3.5% خلال عام 2025 بعد سنوات من الانكماش، مدفوعاً بزيادة الاستهلاك، والتحويلات المالية، وتعافي السياحة، لكنه وصف هذا التعافي بأنه "هش"، مؤكداً أن استقرار الأسعار ارتبط إلى حد كبير باستقرار سعر الصرف والاقتراب من اكتمال "دولرة" أسعار المستهلك. كما توقع أن يتراجع التضخم إلى خانة الآحاد خلال 2026 إذا استمرت الإصلاحات والاستقرار النقدي.
هنا تكمن المفارقة، ففي معظم الاقتصادات، تنجح الدولة في خفض التضخم عبر سياساتها النقدية. أما في لبنان، فقد جاء جزء من الاستقرار لأن السوق نفسها هجرت الليرة، وانتقلت تلقائياً إلى الدولار. أي إن التضخم انخفض ليس لأن العملة الوطنية استعادت قوتها، بل لأن الاقتصاد بات يستخدم عملة أجنبية في معظم معاملاته.
اقتصادياً، تؤدي أي عملة ثلاث وظائف أساسية: أن تكون وسيطاً للتبادل، ووحدةً للحساب، ومخزناً للقيمة. وفي لبنان، انتقلت هذه الوظائف الثلاث إلى الدولار بدرجات متفاوتة. فالأسعار تُكتب بالدولار، والادخار يتم بالدولار، والعقود الكبرى تُبرم بالدولار، وحتى الرواتب في قطاعات واسعة من الاقتصاد الخاص أصبحت تُدفع كلياً أو جزئياً بالدولار.
في المقابل، بقيت الليرة تؤدي دوراً محدوداً. فهي ما زالت تُستخدم في رواتب موظفي القطاع العام، وفي جزء من الرسوم والضرائب الحكومية، وبعض المدفوعات الإدارية، لكنها لم تعد العملة التي تحدد بها الأسواق قيمة السلع والخدمات.
واللافت أن الدولة نفسها أصبحت جزءاً من هذا التناقض. فهي تدفع لموظفيها بالليرة، بينما يعمل هؤلاء في اقتصاد تُقاس فيه كلفة المعيشة بالدولار. والنتيجة أن القوة الشرائية لم تعد تتحدد بالمهنة أو بالمؤهل العلمي، بل بالعملة التي يُدفع بها الراتب.
فقد يحصل موظف متوسط في شركة دولية أو مؤسسة خاصة على دخل يفوق دخل أستاذ جامعي أو طبيب أو قاضٍ يتقاضى راتبه بالليرة، رغم الفارق الكبير في المسؤوليات والخبرة. وهكذا، أصبحت العملة نفسها عاملاً يعيد توزيع الدخول داخل المجتمع اللبناني.
ولعل السؤال الأهم هو: هل اختار لبنان الدولرة؟ الجواب: لا، فدول مثل الإكوادور وبنما والسلفادور اعتمدت الدولار بقرار سيادي، وألغت أو همشت عملتها الوطنية ضمن إطار قانوني واضح. أما في لبنان، فقد نشأت الدولرة بحكم الأمر الواقع نتيجة فقدان الثقة بالليرة بعد الانهيار المالي الذي بدأ في أواخر عام 2019، حين خسرت العملة الوطنية أكثر من 98% من قيمتها مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة.
اليوم، يستقر السعر المرجعي للدولار حول 89,500 ليرة لبنانية، وهو استقرار وفر قدراً من الهدوء النقدي، لكنه لم يُعد الليرة إلى موقعها السابق، بل كرّس الدولار بوصفه مرجع الاقتصاد اليومي.
من المفارقات أيضاً أن هذا النموذج يحمل إيجابيات وسلبيات في آن واحد، فمن جهة، ساهمت الدولرة الواسعة في الحد من التقلبات الحادة للأسعار، وأصبحت الشركات قادرة على التخطيط بدرجة أكبر، كما تراجعت الحاجة إلى تعديل الأسعار يومياً مع تغير سعر الصرف، لكن من جهة أخرى، خسرت الدولة واحدة من أهم أدوات السياسة الاقتصادية، وهي السياسة النقدية. فعندما يصبح الدولار هو العملة الفعلية، يفقد المصرف المركزي جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير في النشاط الاقتصادي عبر أدوات مثل أسعار الفائدة أو إدارة الكتلة النقدية.
كما أن الاقتصاد يصبح أكثر ارتباطاً بتدفقات الدولار القادمة من الخارج، سواء عبر تحويلات المغتربين أو السياحة أو الاستثمارات. ويقدّر البنك الدولي أن التحويلات المالية بقيت أحد أهم محركات الاستهلاك والنمو خلال 2025، إلى جانب تعافي القطاع السياحي، ما يعني أن استمرار النشاط الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على تدفق العملات الأجنبية أكثر من اعتماده على الإنتاج المحلي.
يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان الاستمرار بهذا النموذج؟ على المدى القصير، يبدو أن الاقتصاد تأقلم مع هذه الصيغة. فالأسواق تعمل، والتجارة مستمرة، والأسعار أكثر استقراراً مما كانت عليه قبل سنوات، أما على المدى البعيد، فإن اقتصاداً يعتمد على عملة أجنبية من دون إعلان رسمي للدولرة، ومن دون إصلاح مصرفي شامل، ومن دون استعادة الثقة بالمصارف، يبقى اقتصاداً هشاً أمام أي تراجع في تدفقات الدولار أو أي صدمة إقليمية أو مالية.
إن أزمة لبنان لم تعد أزمة سعر صرف فحسب، بل أصبحت أزمة سيادة نقدية. فحين تفقد العملة الوطنية وظائفها الأساسية، ويتحول الدولار إلى المرجع الوحيد للتسعير والادخار والتبادل، تكون الدولة قد خسرت إحدى أهم أدواتها الاقتصادية.
ولعل أخطر ما في المشهد أن اللبنانيين باتوا يتعاملون مع هذا الواقع بوصفه أمراً طبيعياً. فالجيل الذي نشأ بعد عام 2019 يعرف أسعار المنازل والسيارات والجامعات والمستشفيات بالدولار، بينما ينظر إلى الليرة بوصفها وسيلة لسداد بعض الرسوم الرسمية أو للحصول على "الفراطة" عند الدفع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالدولار لم يأتِ إلى لبنان بقرار من البرلمان، ولا بقانون صادر عن الحكومة، ولا بإعلان من مصرف لبنان، بل فرض نفسه عبر السوق بعدما فقدت العملة الوطنية ثقة المواطنين. وعندما تختار الأسواق عملتها الخاصة، فإن السؤال لم يعد: كم أصبح سعر الدولار؟ بل: هل ما زالت الدولة تمتلك عملتها فعلاً، أم أصبح اقتصادها يُدار بعملة لا تصدرها ولا تتحكم بها؟