الدولار الذي يسكن رغيف الخبز
قد لا يحمل المواطن المصري دولارا واحدا في جيبه، وقد تمر حياته كلها دون الحاجة ليقف أمام شباك صراف واحد لشراء الدولار، لكنه مع ذلك يدفع ثمن الدولار كل يوم، حين يشتري دواءً جاءت مادته الفعالة من الخارج، أو رغيفا صُنع من قمح مستورد، أو جهازًا جُمعت أجزاؤه في مصنع مصري بينما وصلت مكوناته بالدولار، بل قد يدفعه في سلعة يظنها محلية تمامًا، لأن المصنع الذي أنتجها استورد الآلة وقطعة الغيار ومادة التعبئة، وربما البذور أو الأعلاف التي بدأت منها دورة الإنتاج.
لا يبقى ارتفاع الدولار رقمًا مضيئًا على شاشة أحد البنوك أو خبرا عابرا في شريط الأخبار، بل قد يتحول، بين عشية وضحاها، إلى سعر جديد على رف المتاجر، وإلى قسط أثقل، ودواء أغلى، ومدخرات تفقد جزءًا من قدرتها على الشراء، لكن السؤال الذي يعود كلما اهتز الجنيه في أيدي المصريين: لماذا الدولار تحديدًا؟ ولماذا ترتبط حياة المصريين بعملة تطبعها دولة أخرى، وتحدد أسعار فائدتها مؤسسة لا يملكون صوتًا في قراراتنا الداخلية؟وهل هذا الارتباط مجرد ضرورة اقتصادية فرضتها التجارة الحديثة، أم أنه صورة أكثر هدوءًا من صور الهيمنة الغربية؟
قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة ودقيقة في مغزاها، لأنها لا تخص خبراء الاقتصاد وحدهم، بل تمس كل عائل لأسرة في هذا الوطن، فمن وراء كل تحرك في سعر الصرف ميزانية بيت تُعاد صياغتها، واحتياجات تُؤجَّل، ومدخرات تتآكل، ومستقبل أسرة يُعاد حسابه من جديد.
كيف انتقل الجنيه من غطاء الذهب إلى الإسترليني ثم الدولار، لا تكفي الإجابة على هذه التساؤلات أن نعود إلى آخر تعويم مر علينا، ولا إلى أحدث اتفاق مع صندوق النقد، فقصة الجنيه ليست مجرد سجل لقرارات سعر الصرف، بل هي في جانب منها، خريطة انتقال للأحداث العالمية نفسها، فالمتأمل في تاريخ هذه العملة المصرية، سيرى أن الجنيه دار في فلك الإسترليني حين كانت لندن مركز المال والتجارة،، وحين انتقل مركز القوة إلى واشنطن، أصبح الدولار مرجعًا للنظام الجديد.
غير أن التبعية النقدية لا تُفرض من الخارج وحده وحسب، بل تزداد رسوخًا كلما احتاج اقتصاد دولة ما إلى عملة الآخرين أكثر مما يحتاج الآخرون إلى عملته، ومن هنا لا تصبح سطوة الدولار مجرد نتيجة لقوة الولايات المتحدة، بل كذلك نتيجة للفجوة بين ما نشتريه من العالم وما نستطيع أن نبيعه له.
في عام 1885 أصبح الذهب أساس النظام النقدي المصري، وصار الجنيه عملة ذهبية قوية نسبيًا، لكن قوة العملة لم تكن تعني استقلال القرار الاقتصادي. فمصر كانت تحت الاحتلال البريطاني، وماليتها تدور داخل نظام عالمي مركزه لندن، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914، أوقفت السلطات تحويل الأوراق المصرية إلى ذهب، وربطت الجنيه بنظيره بالإسترليني. صحيح لم ينهار الجنيه فورًا، لكنه انتقل من الارتباط بمعدن في الخزائن إلى الارتباط بعملة الدولة المحتلة (الإسترليني).
كان ذلك في جوهره انتقالًا من غطاء الذهب إلى القوة، ثم جاءت مفارقة الحرب العالمية الثانية، فقد استخدمت بريطانيا مصر قاعدة لعملياتها، واشترت منها السلع والخدمات، فتراكم لمصر بحلول 1946 نحو 440 مليون جنيه إسترليني، وأصبحت من أكبر دائني بريطانيا، لكن مصر لم تكن حرة في إنفاق أموالها، فقد احتُجز جانب كبير من هذه الأرصدة في لندن، وخضعت حرية قرار تحويلها إلى الدولار أو الذهب لقيود بريطانيا التي كانت تخشى استنزاف احتياطاتها. كانت مصر تملك المال على الورق، لكن بريطانيا تملك مفتاح خزائنه. هنا ظهر المعنى الصريح للهيمنة النقدية: قد تكون الدولة دائنة، ومع ذلك تعجز عن تحويل ثروتها إلى قوة شراء حقيقية مثلما يحدث مع الدول المحاصرة اقتصاديا.
بعد الحرب العالمية الثانية انكمشت هيمنة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وصعدت الولايات المتحدة، ثم أسس نظام بريتون وودز عالما ترتبط فيه العملات بالدولار، بينما يرتبط الدولار بالذهب، ورغم أن مصر كانت حاضرة - بل ومؤثرة - في مؤتمر النقد الدولي هذا، إلا أن الجنيه المصري ظل مرتبطًا بالإسترليني حتى عام 1962، حين انتقلت مرجعيته إلى الدولار في عهد جمال عبد الناصر، لا في عهد الرئيس السادات كما يُشاع. وذلك راجع الى الانفتاح في السبعينيات بعد تعميق العلاقات مع الولايات المتحدة. فقد توسع حضور الدولار في التجارة والتمويل والواردات.
عام 1971 فكت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، لكن العالم لم يفك ارتباطه بالدولار الذي أصبح عملة التجارة والديون والاحتياطيات والسلع الأساسية، ومنذ ذلك الحين لم تعد قوة الدولار قائمة على الذهب، بل على قوة الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقه، واتساع الشبكة العالمية التي تستخدم عملته.
هكذا انتقل الجنيه المصري خلال قرن من الذهب إلى الإسترليني، ثم إلى الدولار؛ لا لأن العملات تتغير وحدها، بل لأن مركز القوة في العالم هو الذي تغيّر، ومن هنا يجب النظر إلى هيمنة الدولار بقدر من الدقة. هي ليست مؤامرة خيالية تجتمع فيها واشنطن كل صباح لتحديد "سعر كيلو البانيه في القاهرة "، لكنها أيضًا ليست ظاهرة بريئة أو محايدة.
إنها نتاج تداخل القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأمريكية مع عمق الأسواق المالية العالمية النامية منها والمتقدمة، وسيطرة الدولار على التجارة والتمويل، والعقوبات، وأنظمة المدفوعات. الهيمنة الأكثر رسوخًا ليست تلك التي تجبرك على استخدام عملة الخصم بالقوة وحدها، بل التي تجعل عملته اللغة التي يفهمها الجميع، بحيث يصبح خروجك منها أكثر تكلفة عليك من بقائك داخلها.