لبنان كأحد أغلى اقتصادات العالم
لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان تُقاس بسعر صرف الليرة أو بعدد الليرات التي يحتاجها المواطن لشراء الدولار، بل باتت تُقاس بسؤال أكثر جوهرية: كم بقي من القدرة الشرائية للدخل؟ فالقيمة الحقيقية للعملة لا تحددها أسعار الصرف وحدها، وإنما ما تستطيع الأجور شراءه من سلع وخدمات.
ومن هذه الزاوية، يبدو لبنان اليوم حالة اقتصادية شاذة يصعب العثور على مثيل لها. فهو يجمع بين أسعار تقترب من مستويات الاقتصادات المتقدمة، ودخول لا تزال أقرب إلى اقتصادات منخفضة الدخل، ما جعله أحد أغلى الاقتصادات في العالم إذا ما قورنت كلفة المعيشة بما يتقاضاه مواطنوه.
هذه ليست مبالغة صحافية، بل نتيجة مباشرة لاختلال عميق بين الأسعار والأجور. ففي الاقتصادات السليمة، ترتفع الأسعار تدريجيًا بالتوازي مع نمو الإنتاجية والأجور، أو تتراجع القوة الشرائية بوتيرة تسمح للأسر بالتكيف. أما في لبنان، فقد انفصل مسار الأسعار عن مسار الدخل بصورة شبه كاملة، حتى أصبح المواطن يدفع أسعارًا تقترب من أوروبا، بينما يتقاضى راتبًا لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية.
وتكشف بيانات عام 2026 حجم هذا الاختلال. فمنذ بداية العام وحتى نهاية تموز، ارتفع المستوى العام للأسعار بنحو 35%، مدفوعًا بزيادة أسعار الطاقة وكلفة الشحن والتأمين، ثم موجة التصعيد الإقليمي التي رفعت أسعار النفط مجددًا. غير أن هذه العوامل الخارجية لم تكن سوى الشرارة؛ إذ وجدت اقتصادًا يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، وتتحكم به أسواق محدودة المنافسة، فانتقلت الزيادات إلى المستهلك بسرعة قياسية، بينما بقيت أي انخفاضات لاحقة في الأسعار بطيئة أو محدودة.
وفي المقابل، لم تشهد الاقتصادات العربية أو الغربية قفزات مماثلة. فقد استقر التضخم في السعودية عند نحو 2%، وفي الإمارات دون 3%، وفي الأردن حول 2.5%، بينما تراوح في مصر بين 12 و14%. أما في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، فظل ضمن نطاق يتراوح بين 2 و4%. وبذلك، فإن تضخم سبعة أشهر في لبنان يعادل في بعض الحالات تضخم سنوات كاملة في عدد من الاقتصادات المتقدمة.
الصورة تصبح أكثر وضوحًا عندما تُقاس بالدخل لا بالتضخم وحده. تشير تقديرات كلفة المعيشة لعام 2026 إلى أن الأسرة اللبنانية المؤلفة من أربعة أفراد تحتاج إلى ما لا يقل عن 1200 دولار شهريًا لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، بما يشمل الغذاء والسكن والنقل والتعليم والاستشفاء وفواتير الخدمات الأساسية، من دون احتساب أي نفقات ترفيهية أو ادخار أو مصاريف طارئة. والمفارقة أن هذا المبلغ، الذي لا يُعد مرتفعًا في معظم دول العالم، لا يتقاضاه سوى عدد محدود من اللبنانيين، فيما يعيش معظم العاملين بدخول تقل كثيرًا عن هذا المستوى. وبذلك، لم يعد مبلغ 1200 دولار يمثل دخلًا مريحًا، بل أصبح الحد الأدنى اللازم للحفاظ على مستوى معيشي مقبول.
في الولايات المتحدة، يتجاوز متوسط الدخل الشهري خمسة آلاف دولار، وفي ألمانيا وفرنسا يتراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف دولار، لذلك لا تمثل ورقة المئة دولار سوى نسبة ضئيلة من دخل الفرد. أما في لبنان، فما زالت رواتب معظم موظفي القطاع العام والمتقاعدين تدور فعليًا بين 150 و250 دولارًا شهريًا، بينما تتراوح أجور غالبية العاملين في القطاع الخاص بين 400 و700 دولار بحسب طبيعة العمل والقطاع. ويُقدَّر متوسط الدخل الشهري للشريحة الأوسع من العاملين بما بين 400 و500 دولار فقط.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية. فورقة المئة دولار، التي لا تمثل سوى نحو 2% من دخل الموظف الأميركي، قد تستهلك ربع دخل الموظف اللبناني، بل قد تصل إلى نصف دخله في كثير من الحالات. ولذلك، لم يعد الفقر يقتصر على العاطلين عن العمل، بل أصبح يطاول العاملين بدوام كامل، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن تغطية الغذاء أو الاستشفاء أو تعليم أبنائهم رغم انتظامهم في العمل.
وتؤكد بيانات تعادل القوة الشرائية (PPP) الصادرة عن البنك الدولي هذا الواقع. إذا اعتُبرت سلة استهلاكية في لبنان تساوي 100 دولار، فإن السلة نفسها تبلغ كلفتها نحو 26 دولارًا في مصر، و48 دولارًا في الجزائر وتونس، و56 دولارًا في العراق، و61 دولارًا في المغرب، و69 دولارًا في الأردن، و76 دولارًا في السعودية، و86 دولارًا في الكويت، بينما ترتفع إلى 107 دولارات في الإمارات.
والأكثر إثارة أن الفارق مع الاقتصادات المتقدمة لم يعد كبيرًا كما يعتقد كثيرون؛ إذ تبلغ كلفة السلة نفسها نحو 74 دولارًا في إسبانيا، و78 دولارًا في الولايات المتحدة، و82 دولارًا في فرنسا، و85 دولارًا في ألمانيا.
ولا تعني هذه المقارنات أن كل سلعة في لبنان أغلى من نظيرتها في أوروبا، لكنها تكشف حقيقة أكثر أهمية، وهي أن القوة الشرائية للدولار داخل لبنان أصبحت أضعف منها في عدد من الاقتصادات المتقدمة. فالأسعار ارتفعت إلى مستويات عالمية تقريبًا، بينما بقيت الأجور تراوح مكانها، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة. ويزداد هذا التشوه بسبب ظاهرة اقتصادية باتت مألوفة في السوق اللبنانية، وهي سرعة انتقال الارتفاع وبطء انتقال الانخفاض.
عندما تجاوز سعر خام برنت خلال التصعيد الإقليمي الأخير 112 دولارًا للبرميل، انعكس ذلك سريعًا على أسعار المحروقات والسلع والخدمات. لكن عندما تراجع لاحقًا إلى نحو 90 ثم 86 دولارًا، لم تنخفض الأسعار بالنسبة نفسها، بحجج تتعلق بالمخزون القديم أو كلفة التشغيل أو ارتفاع النفقات المحلية. وهكذا، يدفع المستهلك اللبناني ثمن موجات الارتفاع كاملة، لكنه لا يستفيد إلا جزئيًا من موجات الانخفاض.
لم يعد السؤال الحقيقي: كم أصبح سعر الدولار؟ بل كم أصبح الدخل قادرًا على شراء الحياة؟ فالعملة لا تُقاس بعدد الأوراق النقدية، وإنما بما تستطيع شراءه من سلع وخدمات. وعندما تصبح 1200 دولار الحد الأدنى المطلوب للعيش الكريم في بلد لا يحصل معظم العاملين فيه على نصف هذا المبلغ، فإن الأزمة تتجاوز حدود التضخم وسعر الصرف، لتتحول إلى أزمة نموذج اقتصادي فقد التوازن بين الأسعار والأجور والإنتاج.
لقد أصبح لبنان اليوم واحدًا من أغلى الاقتصادات في العالم قياسًا إلى دخل مواطنيه. وهي معادلة لا تستنزف القدرة الشرائية فحسب، بل تقوض الطبقة الوسطى، وتدفع الكفاءات إلى الهجرة، وتحول العمل المنتج إلى نشاط لا يكفل حياة كريمة. وفي اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، فيما تبقى الأجور بعيدة عن مواكبة كلفة المعيشة، تصبح الهجرة بالنسبة إلى كثيرين خيارًا اقتصاديًا أكثر منها قرارًا شخصيًا، ويغدو البقاء في الوطن معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.