من استفاد من الانهيار في لبنان؟
لم يأتِ الانهيار المالي في لبنان كزلزال طبيعي لا يمكن توقّعه أو تفاديه، بل كان نتيجة مسار طويل من القرارات السياسية والمالية التي راكمت المخاطر، ثم اختارت في لحظة الانفجار أن توزّع الخسائر بانتقائية فاضحة.
حين انهار النموذج القائم على تثبيت سعر الصرف وجذب الدولارات بأي ثمن، لم يُطرح السؤال الجوهري حول كيفية إدارة السقوط، بل حول من يجب أن يدفع ثمنه. والجواب، كما تكشّف لاحقًا، لم يكن عادلًا ولا محايدًا، بل صاغته موازين القوة والنفوذ داخل النظام.
منذ الأسابيع الأولى للأزمة، بدا واضحًا أن الدولة والمصرف المركزي والمصارف اختاروا سياسة الإنكار بدل الاعتراف المبكر، والتأجيل بدل المعالجة. قيل للناس إن الليرة بخير، وإن الودائع محمية، فيما كانت الاحتياطات تستنزف، والتحويلات إلى الخارج تتمّ بهدوء، والقيود غير القانونية تُفرض تدريجيًا على صغار المودعين وحدهم. في تلك المرحلة، لم يكن الانهيار قد وقع بعد بكامل عنفه، لكن آلياته كانت قد انطلقت، وكان المستفيدون الأوائل قد حجزوا مقاعدهم خارج الخسارة.
أحد أكثر وجوه هذا الانهيار دلالة على طبيعته غير العادلة تمثّل في السماح بتسديد قروض مقوّمة بالدولار الأميركي على سعر صرف 1500 ليرة لبنانية، في وقت كان فيه الدولار في السوق قد فقد قيمته الرسمية وأصبح يُتداول بعشرات أضعاف هذا السعر. هذه القروض لم تكن ديونًا هامشية، بل التزامات كبيرة مُنحت مقابل ضمانات عقارية وأصول حقيقية، وحقّقت المصارف من خلالها أرباحًا مرتفعة وفوائد استثنائية على مدى سنوات. ومع ذلك، بدل تسييل الضمانات أو إعادة هيكلة الديون بما يعكس الواقع النقدي الجديد، فُتح الباب أمام فئة من المقترضين لإطفاء ديونهم بالدولار عبر ليرات منهارة، محرِّرين ضماناتهم، ومسجّلين أرباحًا غير مبرّرة في لحظة انهيار شامل.
في المقابل، مُنع المودعون من الوصول إلى ودائعهم بالدولار بحجة حماية الاستقرار المالي، وخُفّضت قيمتها قسرًا عبر أسعار صرف متعدّدة واستنسابية، فيما نُقلت الخسارة الناتجة عن إطفاء هذه القروض إلى الفجوة المالية التي حُمّلت لاحقًا للودائع. هكذا جرى عمليًا تحويل خسائر كان يفترض أن تتحمّلها المصارف أو كبار المستفيدين من الائتمان الرخيص إلى خسائر اجتماعية عامة، دفعتها الفئات الأضعف، من دون أي إطار قانوني واضح أو مسار محاسبة فعلي.
وإلى جانب ذلك، برزت ظاهرة التداول بالشيكات المصرفية كأحد أكثر تجليات الانهيار فجاجةً ودلالة على اختلال ميزان العدالة. فمع تجميد الودائع ومنع السحب النقدي، تحوّلت الشيكات من أداة دفع نظامية إلى سلعة تُباع وتُشترى بخصومات هائلة، وصلت في بعض المراحل إلى سبعين وثمانين في المئة من قيمتها الاسمية.
هذا الواقع لم يكن نتيجة آلية سوق طبيعية، بل نتاج قرار ضمني بترك المودعين يواجهون مصيرهم من دون أي إطار قانوني يحميهم. هكذا اضطر مودعون إلى بيع شيكاتهم بخسارة قاسية لتأمين حاجاتهم الأساسية، فيما راكم آخرون، أفرادًا وشركات، محافظ من الشيكات بأسعار بخسة، استخدموها لاحقًا لتسديد ديون أو شراء عقارات أو إجراء مقاصّات مع المصارف نفسها، محققين أرباحًا غير مباشرة من انهيار الثقة. لم تكن هذه السوق هامشية، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد الانهيار، وأداة إضافية لإعادة توزيع الثروة من دون ضوابط أو مساءلة.
لم تكن هذه الممارسات استثناءً فرضته الفوضى، بل تعبيرًا عن نمط إدارة للأزمة يقوم على حماية الأقوى وترك الأضعف يواجه مصيره. فالقيود على السحوبات لم تُطبّق على الجميع، والتحويلات إلى الخارج لم تُمنع في توقيتها الحاسم، والدعم العشوائي استنزف الاحتياطات من دون أن يصل إلى مستحقيه، فيما أُتيح للبعض الخروج من النظام بأقل الخسائر، أو حتى بتحقيق مكاسب صافية. عند هذه النقطة، يصبح السؤال عن «من استفاد من الانهيار» سؤالًا مشروعًا، لا أخلاقيًا فحسب، بل اقتصاديًا وقانونيًا.
اليوم، ومع طرح قانون الفجوة المالية بوصفه مدخلًا لتنظيم الخسائر وإعادة بعض الحقوق، تتكرّس المخاوف من أن يتحوّل هذا القانون إلى أداة لتثبيت نتائج الانهيار بدل تصحيحها. فالقانون، بصيغته المتداولة، لا يجيب بوضوح عن سؤال المسؤوليات، ولا يعالج مسألة إطفاء القروض بالدولار بليرة منهارة، ولا يتطرّق بجدية إلى سوق الشيكات التي شكّلت قناة إضافية لاستفادة البعض من الانهيار، ولا يحدّد من يجب أن يتحمّل الخسائر وفق مبدأ «الخطر يتبع العائد». والأسوأ أنه يَعِد بما لا يملك أدوات تنفيذه، فيما يترك الجرح الأساسي، أي انعدام الثقة، مفتوحًا.
وفي النهاية، لا يمكن فصل النقاش حول الانهيار المالي عن النقاش حول شكل الدولة التي يريدها اللبنانيون بعده. فقانون الفجوة المالية، إذا أُقرّ من دون معالجة جوهرية لكيفية تكوّن الخسائر ومن استفاد منها، لن يكون خطوة إنقاذ، بل محاولة لإضفاء طابع قانوني على نتائج الانهيار نفسه. فالدولة التي تعجز عن فرض عدالة مالية في لحظة الانهيار، وتعجز عن توزيع الخسائر وفق المسؤوليات لا وفق موازين القوة، هي دولة تعلن عمليًا عجزها عن إعادة بناء عقدها الاجتماعي.
من دون مساءلة القرارات التي سمحت بإطفاء ديون بالدولار بليرة منهارة، ومن دون تفكيك اقتصاد الشيكات الذي ازدهر على أنقاض الودائع، ومن دون إعادة تحميل الخسائر لمن راكم الأرباح والمخاطر، سيبقى أي إصلاح نقدي أو مصرفي مجرّد إجراء تقني بلا مضمون سيادي. فالعدالة المالية ليست تفصيلًا محاسبيًا، بل شرطًا تأسيسيًا لعودة الثقة، ولقيام دولة قابلة للحياة، قادرة على حماية مواطنيها لا على تقنين خسائرهم.