لو كنت أنا الحاكم
لو كنتُ أنا حاكم مصرف لبنان، لما انتظرتُ الانهيار كي اكتشف أن النموذج كان يحتضر منذ سنوات. كنتُ سأبدأ من اللحظة التي بدأ فيها الواقع يناقض الخطاب، لا من اللحظة التي انهار فيها الخطاب نفسه. فبين عامي 2011 و2014، حين بدأت التحويلات الخارجية إلى لبنان تتراجع بوضوح، كان الإنذار قد دقّ باكرًا. اقتصاد يعتمد على تدفقات بالدولار لا يمكنه تجاهل انخفاض هذه التدفقات من نحو 8.5 مليارات دولار سنويًا إلى أقل من سبعة مليارات، فيما يستمر في تثبيت سعر الصرف وكأن الزمن متجمّد، وكأن السياسة النقدية محصّنة ضد الجغرافيا والسياسة والحروب من حولها.
لو كنتُ أنا الحاكم، لكنتُ أعلنت بوضوح أن تثبيت سعر الصرف عند حدود 1507 ليرات لم يعد سياسة استقرار بل سياسة إنكار. فالاحتياطات لم تكن تنمو، والعجز في ميزان المدفوعات كان يتسع، والدين العام كان يبتلع الاقتصاد ببطء. كنتُ سأقول للرأي العام، بالأرقام لا بالشعارات، إن الاستمرار في هذا المسار يعني نقل الخسائر من الدولة والمصارف إلى المجتمع، وإن كل سنة تأخير ستُدفع لاحقًا من الودائع والدخول والعملة الوطنية.
ولو كنتُ أنا الحاكم، لما لجأتُ إلى ما سُمّي بالهندسات المالية باعتبارها حلًا. ففي السنوات بين 2015 و2019، لم تكن تلك الهندسات سوى عملية شراء للوقت بأموال ليست ملكًا للدولة ولا للمصرف المركزي، بل للمودعين. دفع فوائد وصلت إلى خمسة عشر وعشرين في المئة على ودائع بالدولار لم يكن ابتكارًا نقديًا، بل مقامرة على استمرار التدفقات الخارجية. وقد ربحت المصارف مليارات الدولارات من هذه العمليات، فيما راكم المصرف المركزي خسائر غير معلنة تجاوزت ثلاثين مليار دولار قبل 2019. كنتُ سأرفض تحويل ميزانية المصرف المركزي إلى حفرة سوداء تمتص الخسائر باسم الاستقرار الوهمي.
ولو كنتُ أنا الحاكم، لقلت بوضوح إن الاحتياطات ليست أرقامًا تجميلية. فحين تراجع الاحتياطي القابل للاستخدام فعليًا إلى أقل من عشرين مليار دولار عشية الأزمة، ومعظمها ودائع إلزامية تعود للمصارف، كان واضحًا أن ما يُسمّى بالهامش النقدي لم يعد موجودًا. ومع ذلك، استمر الخطاب الرسمي يؤكد أن الليرة بخير وأن الودائع محمية. هنا تحديدًا، لو كنتُ في الموقع، لكنتُ اخترت الصدام مع الوهم لا التواطؤ معه، حتى لو كلّفني ذلك المنصب.
ولو كنتُ أنا الحاكم، لكانت اللحظة الفاصلة في خريف 2019. حين بدأت المصارف تقفل أبوابها وبدأت الأموال تخرج من البلاد بلا ضوابط، كان من واجبي أن أفرض فورًا قيودًا عادلة وشفافة على حركة الرساميل. فبين أيلول 2019 ونهاية 2020، خرج من لبنان ما بين خمسة عشر وعشرين مليار دولار، معظمها لأصحاب نفوذ، فيما حُجزت ودائع أكثر من مليون ونصف مودع. هذا القرار وحده، أو غيابه بالأحرى، هو ما حوّل الأزمة المالية إلى انهيار اجتماعي شامل، وهو ما دفع سعر الصرف لاحقًا من ثلاثة آلاف محتملة إلى عشرات الآلاف، ثم إلى ما يفوق المئة ألف ليرة.
ولو كنتُ أنا الحاكم، لكنتُ اعترفت بأن كلفة التأخير ليست نظرية. فالناتج المحلي انخفض من نحو خمسة وخمسين مليار دولار في 2018 إلى أقل من عشرين مليارًا بعد سنوات قليلة، أي أن أكثر من خمسة وثلاثين مليار دولار من الدخل الوطني تبخّرت. وأكثر من ثمانين في المئة من اللبنانيين سقطوا تحت خط الفقر، لا بفعل حرب طبيعية أو كارثة كونية، بل بفعل إدارة اختارت الصمت بدل المكاشفة، والتأجيل بدل الاعتراف.
ولو كنتُ أنا الحاكم، لكنتُ استقلتُ في اللحظة التي أدركتُ فيها أن السلطة السياسية غير مستعدة لتحمّل كلفة الإصلاح، لأن الاستقالة المعلّلة بالأرقام كانت ستُجبر الجميع على مواجهة الحقيقة. كنتُ سأترك وثيقة عامة تقول إن كل سنة تأخير بعد 2015 كلّفت لبنان ما بين ثمانية وعشرة مليارات دولار من ثروته، وإن الخسائر لم تعد قابلة للإخفاء، وإن تحميلها للأضعف ليس سياسة بل جريمة اقتصادية.
لو كنتُ أنا الحاكم، لما وعدتُ الناس بحماية ودائعهم فيما كنتُ أعلم أن النظام نفسه يستهلكها. كنتُ سأقول إن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الثبات المصطنع، وإن النقد لا يُدار بالخوف من الطبقة السياسية بل بمواجهة هذه الطبقة حين تنحرف. فالهروب من الاعتراف لم يُنقذ الدولة، بل جعل الفاتورة أكبر، وأقسى، وأشد ظلمًا.
في النهاية، لو كنتُ أنا حاكم مصرف لبنان، لكنتُ آمنت أن المنصب لا قيمة له إذا لم يُستخدم في اللحظة التي يصبح فيها الصمت شراكة في الانهيار. فالانهيار في لبنان لم يكن قدرًا، بل كان نتيجة قرارات مؤجلة، وكل قرار لم يُتخذ في وقته تحوّل لاحقًا إلى خسارة لا تُعوَّض.