المصارف الأجنبية...هل تعيد الثقة أم تكشف عمق الأزمة؟
لم يعد خافيًا أن جزءًا كبيرًا من الكتلة النقدية بالدولار في لبنان بات خارج النظام المصرفي، مخزّنًا في المنازل أو متداولًا نقدًا، في ظاهرة غير مسبوقة تُقدَّر قيمتها بأكثر من عشرة مليارات دولار. هذه الأموال لم تخرج من المصارف بدافع المضاربة أو التهرّب، بل نتيجة انهيار الثقة الكامل بين المودعين والنظام المالي، بعد أن اكتشف اللبنانيون أن ودائعهم لم تكن محمية بقانون ولا بقضاء ولا حتى بميزانيات مصرفية شفافة.
في هذا السياق، يبرز طرح إدخال مصارف أجنبية إلى السوق اللبنانية كحل محتمل لإعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية. للوهلة الأولى، يبدو الطرح منطقيًا: مصارف ذات سمعة دولية، خاضعة لرقابة صارمة، وقادرة نظريًا على استقطاب الودائع من جديد. لكن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت المصارف الأجنبية أفضل تقنيًا، بل ما إذا كان الإطار القانوني والسيادي اللبناني يسمح أصلًا بإعادة بناء الثقة، مهما كان اسم المصرف أو جنسيته.
اللبناني الذي يحتفظ بدولاراته في منزله اليوم لا يفعل ذلك لأنه يرفض المصارف كفكرة، بل لأنه فقد الثقة بالدولة التي سمحت، بل شرعنت، مصادرة الودائع عبر القيود غير القانونية. لذلك، فإن إدخال مصرف أجنبي إلى نظام يعاني خللًا بنيويًا في القوانين والحوكمة لا يشكّل بحد ذاته ضمانة. فالمصرف الأجنبي، مهما بلغت قوته، لن يكون بمنأى عن قرارات سيادية تفرض قيودًا استثنائية، أو تعدّل القوانين بأثر رجعي، أو تعلّق حقوق السحب والتحويل.
من هنا، فإن السيناريو الواقعي الوحيد لدور المصارف الأجنبية في لبنان، إذا حصل، سيكون محدودًا ومشروطًا. ستقبل هذه المصارف استقبال ودائع جديدة فقط، منفصلة كليًا عن إرث الخسائر القديمة، مع حرية تحويل الأموال إلى الخارج وضمانات قانونية صارمة. وهذا يعني عمليًا أن جزءًا من الدولارات المخزّنة قد يعود تدريجيًا إلى النظام، لكن ليس بالقدر الكافي لإحياء الإقراض أو إعادة تشغيل الاقتصاد بشكل كامل. أما الودائع القديمة، فستبقى رهينة مسار سياسي وقانوني لم يُحسم بعد.
التجارب الدولية تؤكد هذه الخلاصة. في آيسلندا، لم تعد الثقة لأن مصارف أجنبية دخلت السوق، بل لأن الدولة اعترفت بالخسائر، سمحت بسقوط المصارف المتعثرة، وحمت المودعين الصغار ضمن إطار قانوني واضح. في قبرص، ورغم قسوة الإجراءات، جرى توزيع الخسائر بشفافية، ما أتاح للنظام المصرفي أن يستعيد دوره تدريجيًا. أما في لبنان، فلا تزال الخسائر غير محددة، والمسؤوليات موزعة على الجميع وعلى لا أحد في آن واحد.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن المصارف الأجنبية أشبه بتشخيص جزئي لمرض عميق. المشكلة ليست غياب المؤسسات المصرفية، بل غياب العقد القانوني الذي يحمي الملكية الخاصة. وطالما لم يُحسم قانون الفجوة المالية بشكل عادل وشفاف، وطالما لم تُحدَّد كيفية توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمساهمين، سيبقى أي مصرف، محليًا كان أم أجنبيًا، عاجزًا عن إعادة الثقة الكاملة.
المال لا يعود إلى المصارف بالوعود، بل بالضمانات. والدولارات المخزّنة في المنازل ليست كتلة نائمة تنتظر إعلانًا مصرفيًا، بل شهادة حيّة على انهيار الثقة بالدولة نفسها. من هنا، فإن إعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية تمر أولًا بإعادة بناء الإطار القانوني والرقابي، قبل أي إصلاح تقني أو استقدام أسماء مصرفية جديدة. من دون ذلك، ستبقى المصارف الأجنبية مجرد واجهة أنيقة لأزمة لم تُحل بعد.