الزمن.. الثروة التي نهدرها دون أن ندرك!
قبل فترة وجيزة، كنت أتنقّل بين البريد الإلكتروني وتطبيقات تنظيم الوقت وتذكيرات الهاتف، وأنا أظن أنني أسيطر على يومي بإحكام. لكن مع نهاية اليوم، اكتشفت أنني لم أنجز شيئاً يُذكر. كنت أعيش ما يشبه الوهم الجميل بأن التكنولوجيا تُوفّر لي الوقت، بينما كانت في الحقيقة تستنزفه دون أن أشعر.
توقفت لحظة لأتأمل السؤال البسيط الصعب، من الذي يملك وقتي فعلاً؟ هل أنا من أتحكم فيه، أم أن هناك من يبرمج يومي بطريقة غير مباشرة؟ وفي أثناء بحثي عن إجابة، صادفت في مجلة Harvard Business Review مقالة بعنوان «Your Attention Is the Most Valuable Resource»، تقول إن أغلى مورد في القرن الحادي والعشرين لم يعد النفط أو الذهب، بل الانتباه الإنساني نفسه.
في الاقتصاد الرقمي لا تبيعنا الشركات منتجاتها فحسب، بل تشتري وقتنا ووعينا. منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" لا تقدّم محتواها المجاني بدافع الترفيه فقط، بل تشتري لحظات انتباهنا وتعيد بيعها للمعلنين بدقة مذهلة. وبحسب تقرير لمجلة The Economist، أصبحت قيمة الشركات الكبرى تُقاس بقدرتها على الاحتفاظ بالمستخدم أطول فترة ممكنة، لا بعدد خدماتها أو أرباحها المباشرة. حتى تطبيقات الإنتاجية التي تدّعي مساعدتنا على تنظيم الوقت، دخلت بدورها في دائرة التناقض، فكل دقيقة نحاول توفيرها، نستهلكها في أدوات جديدة لتوفير مزيد من الدقائق.
قرأت في MIT Technology Review عن مصطلح اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، وهو المفهوم الذي يشرح كيف يتحوّل وقتنا إلى سلعة قابلة للتسعير. وهو المفهوم الذي عبر عنه الفيلسوف والاقتصادي الأميركي هيربرت سايمون (Herbert Simon) قائلا قبل نصف قرن "إن وفرة المعلومات تولّد ندرة في الانتباه"، وهي الجملة التي تصف بدقة واقعنا اليوم.
في عالم اليوم، لا يُقاس الثراء بما نملك من مال، بل بما نستطيع أن نحميه من وقتنا من الضياع. ويبدو أن المهمة ستكون صعبة، فالشركات التقنية العملاقة مثل "ميتا" و"غوغل" و"إكس" وغيرها تستثمر مليارات الدولارات في تطوير خوارزميات تراقب سلوكنا وتعيد تشكيله بما يخدم هدفاً واحداً: إبقاؤنا أطول فترة ممكنة على الشاشة.
كل تمريرة، كل إعجاب، كل ثانية تفاعل تُترجم مباشرة إلى أرباح مالية ضخمة، وبينما نظن أننا نستخدم المنصات بحرية، تكون المنصات في الحقيقة هي من تستخدمنا نحن. لم يعد الزمن مجرد مرور للساعات، بل أصبح عملة الاقتصاد الرقمي، والجميع يعلم أن النفط يُستخرج من باطن الأرض، أما الزمن فيُستخرج من وعينا وانتباهنا، من لحظاتنا الصغيرة التي تمر دون أن نلاحظها. ربما لم نعد بحاجة إلى أن نسأل، كيف نوفر الوقت؟، السؤال الأهم: لمن نهدي وقتنا دون أن ننتبه؟