ليبيا.. القوة تبدأ من الشرعية

16 January 2026
النفط من أهم دعائم الاقتصاد الليبي (غيتي)
النفط من أهم دعائم الاقتصاد الليبي (غيتي)
osamakv@yahoo.com
أسامة ابوبكر الصافي
تابع الكاتب عبر :

في عالم تتصارع فيه الدول على الموارد والثروات يثبت التاريخ أن القوة الاقتصادية الحقيقية لا تقاس بما تمتلكه الدولة بل بما تستطيع تحويله إلى قدرة فعلية على الإنتاج والاستثمار والتنويع الشرعية بمختلف أشكالها القانونية النظامية. والإنجاز هو المفتاح الذي يحول الموارد إلى تنمية ويجعل الدولة قادرة على تحقيق النمو المستدام، وفي هذا الاطار تقدم ليبيا مثال حي على التحدي المعقد الذي يواجه الدولة حين تتوزع الشرعية فتتحول القوة الكامنة إلى صراع بدل أن تصبح محركا للتقدم.

في رأينا حين نعيد النظر في تجارب الدول عبر العقود نكتشف أن امتلاك الموارد لم يكن يوما ضمانا لصناعة القوة الاقتصادية فالدول لا تقاس بحجم احتياطاتها النفطية أو بوفرة الفوائض المالية أو بامتدادها الجغرافي بل تقاس بقدرتها على تحويل هذه القوة الكامنة الى قدرة فعلية على الإنتاج والاستثمار والتنويع، وهذه القدرة لا تنشأ من الموارد ذاتها بل من الشرعية بأنواعها المختلفة، ذلك لأن الشرعية هي التي تحدد مستوى الكفاءة المؤسسية وتكلفة المعاملات والانضباط الاقتصادي ومدى قدرة الدولة على تنفيذ السياسات دون مقاومة.

الشرعية القانونية العقلانية كما وضع أساسها ماكس فيبر ليست مجرد اعتراف دولي أو نص دستوري بل عنصر اقتصادي مباشر يحدد ثقة المستثمرين وشفافية القواعد واستقرار العقود، ومن دون شرعية قانونية قوية تصبح تكلفة ممارسة الأعمال مرتفعة ويصبح الاقتصاد عرضة لعدم اليقين وهو ما يعطل قدرة الموارد على التحول إلى قيمة مضافة وبالمعنى الاقتصادي الشرعية القانونية تخفض ما يسميه Douglass North تكاليف المعاملات وبالتالي ترفع القدرة الإنتاجية حتى دون زيادة الموارد وتشير البيانات إلى أن الدول ذات المؤشرات الأعلى في سيادة القانون تحقق معدلات نمو أعلى بنسبة 2-3 سنويا مقارنة بنظيراتها.

أما الشرعية النظامية المستمدة من قدرة الدولة على فرض الأمن والانضباط فهي الركيزة التي تسمح بتفعيل الأسواق، فالأمن ليس ترفا سياسيا بل شرطا إنتاجيا ولا يمكن لاقتصاد أن ينمو في ظل غياب الاحتكار الشرعي للعنف لأن غياب النظام يرفع المخاطر ويحد من توسع القطاع الخاص ويجعل الدولة نفسها عاجزة عن تطبيق السياسات الاقتصادية وتشير دراسات (روبنسون وأسيموغلو) إلى أن استقرار المؤسسات الأمنية هو الحد الفاصل بين الاقتصادات الشاملة والاقتصادات الاستخراجية.

ثم تأتي الشرعية الثالثة، شرعية الإنجاز أو الأداء، وهي التي تقاس بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن خدمات مستقرة، بنية تحتية فعالة، وإدارة مالية منظمة وسياسات اقتصادية تخلق قيمة. شرعية الإنجاز كما يصفها Seymour Lipset وBruce Gilley هي المصدر الذي يجعل المواطنين يقبلون الإصلاحات الصعبة ويمنحون الدولة هامش الحركة لتنفيذ سياسات طويلة الأجل. في دول شرق أسيا مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية كانت شرعية الإنجاز هي الأساس الذي بنى القدرة الاقتصادية قبل اكتمال التطور المؤسسي ما مكنها من التحول من معدلات نمو متواضعة إلى مرتفعة على مدى عقود.

عندما نضع ليبيا داخل هذا الاطار الاقتصادي نجد أن المشكلة ليست في نقص الموارد، فليبيا تمتلك احتياطيات نفطية تبلغ 48 مليار برميل واحتياطيات غاز تتجاوز 1.5 تريليون متر مكعب، بل في تشتت الشرعية بين نماذج متعددة فنرى من جهة نموذج يمتلك الشرعية الدستورية لكنه لم ينجح في تحويلها إلى شرعية نظام أو شرعية إنجاز، ومن جهة أخرى نموذج استطاع أن يرسخ شرعية النظام ثم بنى خلال السنوات الأخيرة شرعية إنجاز واضحة في الخدمات والإدارة لكنه ما زال يعمل خارج إطار الشرعية الدستورية التي تمنح القدرة الكاملة على تحويل هذه النجاحات الى مشروع دولة مكتمل ومستدام، وبين هذا وذاك تتوزع عناصر الشرعية بطريقة تجعل كل طرف يمتلك جزءا من القدرة الاقتصادية دون أن يملك القدرة الكاملة على توظيفها.

يفسر هذا برأينا انكماش الاقتصاد الليبي خلال السنوات الأخيرة رغم عودة إنتاج النفط وفق تقديرات مؤسسات دولية، فغياب الشرعية المتكاملة يجعل الاقتصاد يعمل بنصف طاقته مهما كانت الموارد متوفرة ويجعل أدوات الدولة عاجزة عن التحول من إدارة الأزمات الى بناء التنمية. 

هذه الحالة لا تعكس فشل الأطراف بقدر ما تعكس فشل المعادلة فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى شرعية متكاملة لا شرعيات متفرقة، فالدولة التي تمتلك الشرعية القانونية دون شرعية النظام تصبح مؤسساتها شكلية والدولة التي تمتلك شرعية النظام دون شرعية الإنجاز تظل قادرة على حفظ الاستقرار دون أن تنتقل إلى التنمية، والدولة التي تمتلك "الإنجاز" دون الشرعية القانونية تبقى قدرتها محدودة داخل حدودها ولا تستطيع الانخراط في الاقتصاد العالمي، وفي ليبيا كل نموذج يمتلك عنصرا واحدا أو اثنين لكنه يفتقد الثالث وهو ما يجعل القدرة الاقتصادية غير مكتملة مهما كانت القوة الكامنة كبيرة، وهذا الانقسام يشبه حالات العراق واليمن حيث فشلت الموارد وحدها في تحقيق التنمية المستدامة.

إذا أردنا تحليل مستقبل الاقتصاد الليبي بعيدا عن أي اصطفاف سياسي فإن العامل الحاسم لن يكون في توزيع الموارد بل في توحيد الشرعية لأن الشرعية بأنواعها الثلاثة ليست مجرد سند سياسي بل هي البنية التي تبنى عليها المؤسسات القادرة على تأسيس اقتصاد مستدام وتنويع الدخل وخلق الوظائف وتخفيض الاعتماد على النفط، ومع غياب الشرعية المتكاملة يبقى الاقتصاد عرضة للمصيدة الريعية حيث تتحول الموارد إلى مصدر صراع بدل أن تكون مصدرا للتنمية.

الطريق نحو تنمية ليبية حقيقية يبدأ عند النقطة التي تلتقي فيها الشرعية الدستورية مع شرعية الإنجاز مع شرعية النظام، فصاحب الشرعية القانونية يحتاج الى تعزيز قدرته على الإنجاز والنظام ومن يمتلك الشرعية النظامية وشرعية الإنجاز يحتاج إلى الإطار القانوني الذي يمنحه القدرة على النمو عبر المؤسسات الدولية وعندما تكتمل الشرعية تكتمل القدرة وعندما تكتمل القدرة تتحول القوة الليبية إلى نهضة اقتصادية قابلة للاستمرار، وتجربة دول مثل رواندا التي انتقلت من حالة انقسام مشابهة إلى تحقيق نمو مستقر، تظهر أن توحيد الشرعية ليس مستحيلا بل هو استثمار سياسي واقتصادي تعود عوائده إلى سبعة أضعاف ما ينفق على بناء المؤسسات وفق دراسات البنك الدولي. 

وفي الختام يمكن القول أن القوة الاقتصادية الحقيقية للدول ليست في حجم مواردها بل في قدرتها على توظيف الشرعية بكامل أبعادها، الشرعية القانونية تؤسس الثقة والمصداقية، الشرعية النظامية تخلق الاستقرار، وشرعية الإنجاز تحول هذه المكونات إلى تنمية ملموسة وعندما تتلاقى هذه العناصر تنفتح أمام الدولة أفاق واسعة للنمو وتمكين مؤسساتها وتحويل الإمكانات الكامنة إلى اقتصاد حيوي ومستدام.

 ليبيا كما غيرها من التجارب العالمية تؤكد أن الطريق نحو القوة والتنمية يبدأ عند توحيد الشرعية حيث يصبح كل قرار اقتصادي وسياسي امتدادا طبيعيا لرؤية وطنية واضحة، ويصبح المستقبل الاقتصادي للدولة مشروعا قابلا للتحقق بعيدا عن قيود الانقسام والتشتت، وفي هذا الالتقاء بين الشرعية والقدرة تتجلى إمكانية بناء دولة متينة واقتصاد قادر على المنافسة ومجتمع يحصد ثمرة الموارد دون أن تبقى أسيرة الصراعات أو المخاطر.