هل يزيد الذكاء الاصطناعي مكاسب الأعمال؟

24 January 2026
الذكاء الاصطناعي قد يخلق مشكلة كبرى تتمثل في البطالة (غيتي)
الذكاء الاصطناعي قد يخلق مشكلة كبرى تتمثل في البطالة (غيتي)
awwad.jafari@gmail.com
عواد الجعفري
تابع الكاتب عبر :

عندما يقول رجال الأعمال إن الذكاء الاصطناعي سيقلل التكاليف، فإن نظرتهم قاصرة. نعم، سيؤدي الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى خفض النفقات ورفع الكفاءة، لكنه سيخلق مشكلة كبرى تتمثل في البطالة، ومعها يتراجع الاستهلاك، وعندها يبرز السؤال الضخم: مَن الذي سيشتري منتجاتهم وخدماتهم، إن الذكاء الاصطناعي يخلق مفارقة خطيرة: منتجون بلا مستهلكين. 

إن المنطق الأول والأخير الذي يحكم التجارة منذ فجر التاريخ بسيط وواضح: مضاعفة الربح عن طريق تقليص النفقات أو تعظيم الإيرادات. نقول نظرة رجال الأعمال قاصرة، لأنهم يأخذون الذكاء الاصطناعي من نظرة ضيقة اسمها الاقتصاد الجزئي، فالآلة التي تفكر لا تكل ولا تمل ولا تطلب راتباً شهرياً ولا علاوات، وهذا يثير شهية هؤلاء لأنه سيؤدي إلى الاستغناء عن الموظفين وتسريع الإنتاج وتعظيم هوامش الربح بفعل الذكاء الاصطناعي.

لكن مهلاً، هل الاقتصاد إنتاج فحسب؟ إن هذه النظرة محاسبية بحتة، فهي تحسب أرباح الشركة بمعزل عما يجري في العالم، لكن الاقتصاد كما أسلفنا ليس إنتاجاً أو شركة تعمل في العدم. الاقتصاد، يا سادة، يقوم على التدفق الدائري للدخل، إذ تتدفق الأموال من المنتجين إلى المستهلكين وبالعكس، وهذا يؤكد أن الاقتصاد يعمل كمنظومة مترابطة، فلا اقتصاد بلا منتجين ولا مستهلكين. للتبسيط، تحصل العائلات على الدخل من العمل في قطاعات عدة منها الشركات، ثم تنفقه على شراء السلع والخدمات فتتدفق الأموال على الشركات على شكل إيرادات وأرباح وهكذا.

 لنأخذ هذا الكلام ونطبقه على الواقع، تقول بيانات دائرة الإحصاءات العامة في الأردن إن القطاع الخاص يشغّل نحو 61.4% من إجمالي القوى العاملة، بينما تبلغ النسبة في مصر 82.3%، وفق بيانات الجهاز المركزي المصري للإحصاء. ماذا تقول هذه الأرقام؟ تقول إن نسبة كبيرة من الموظفين معرضين لفقدان وظائفهم، وذلك للأسباب التالية: رجال الأعمال يفكرون بالطريقة نفسها وهي تقليص النفقات إلى الحد الأقصى مثل الاستغناء عن الموظفين، والذكاء الاصطناعي يساعدهم في ذلك، وثانياً: إن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة غير مسبوقة، وما كنا نعتقد أنه سيتحقق خلال 50 أو 40 عاماً بات من الممكن أن يتحقق خلال سنوات قليلة، وبعض الأمور تحققت بالفعل فالآلة صارت تنجز الكثير من المهام.

ماذا يعني هذا كله؟ يعني أننا مقبلون على موجة استغناء كبيرة عن الموظفين وبطالة أكبر، في حال تمسك رجال الأعمال بموقفهم هذا. إن المشكلة في الذكاء الاصطناعي أنه لا يصنع بطالة مؤقتة يمكن تجاوزها، بل بطالة بنيوية، تستهدف الطبقة الوسطى، من المحاسبين والمترجمين وموظفي الدعم وغيرهم، وهذه الطبقة تشكل عماد الاستهلاك. المشكلة الأخرى هي أن الذكاء الاصطناعي لا يوفر بدائل بنفس السرعة التي يوفر فيها خدماته، فمنتجاته بين أيدينا وترافقنا من الصباح للمساء، لكن وظائفه لم تهل علينا بالقدر نفسه. 

شخصياً، لا أثق بالخرافة التي تقول إن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة وكثيرة، لأن فكرته تقوم على منافسة الذكاء البشري وأداء مهامه أو بعضها على الأقل، ولا يعقل أن يكون تخصص كل طلبة الجامعات في الذكاء الاصطناعي حتى يجدوا وظيفة. 

الخلاصة هي: ما فائدة إنتاج ضخم لا يجد مشترين؟ وإذا انخفضت الدول أو انعدمت يقل الطلب، فتتكدس السلع، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتبدأ تداعيات البطالة الاجتماعية والسياسية بالظهور، ونقول لرجال الأعمال إن خفض التكاليف دون وجود قدرة شرائية يعني انتحاراً اقتصادياً، والمطلوب هو الخروج من الدائرة الضيقة في المكاسب القصيرة الآن ستعني خسائر فادحة في الغد.