نموذج لبنان الذي لم تعرِفه النظريات

27 فبراير 2026
لبنان يشهد تراجعا نقديا منذ عام 2019 (رويترز)
لبنان يشهد تراجعا نقديا منذ عام 2019 (رويترز)
riadhilal@yahoo.com
رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

حين عبّر زميلي، عند خروجه إلى التقاعد من كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال، عن خيبة أمله من الفجوة بين ما درّسه لعقود وما عاشه لبنان في سنوات الانهيار، لم يكن يقدّم موقفا عاطفيا أو مراجعة شخصية متأخرة، بل كان يلامس جوهر أزمة معرفية عميقة. فالتجربة اللبنانية لم تُشكّل مجرّد حالة فشل اقتصادي، بل تحوّلت إلى اختبار قاس لقدرة علم الاقتصاد، بصيغته التعليمية السائدة، على الفهم والتفسير، ناهيك عن التنبؤ.

لقد دُرِّس الاقتصاد في لبنان، كما في كثير من الجامعات، بوصفه علم توازنات، تُدار فيه السياسات النقدية بأدوات تقنية محايدة، ويُفترض فيه أن استقرار سعر الصرف يعكس متانة الاقتصاد، وأن المصارف وسطاء عقلانيون بين الادخار والاستثمار، غير أن الانهيار النقدي الذي شهده لبنان منذ عام 2019 أطاح بهذه المسلّمات واحدة تلو الأخرى، فقد انهار سعر الصرف رغم "الاستقرار" الطويل، وتبخّرت الودائع في نظام مصرفي وُصف لعقود بأنه متين، وتحوّلت السياسة النقدية من أداة ضبط إلى آلية إنكار وتأجيل.

تكمن خيبة الأمل التي عبّر عنها زميلي في أن النماذج التي دُرِّست افترضت شروطا مؤسسية لم تكن قائمة أصلا: دولة قادرة على الجباية، مصرفا مركزيًا مستقلًا فعليًا، قطاعًا مصرفيًا يخضع لمنطق المخاطر، ونظامًا سياسيًا يلتزم بقواعد اللعبة الاقتصادية، لكن لبنان لم يكن حالة انحراف طفيف عن هذه الشروط، بل نقيضها البنيوي. لقد كان اقتصادًا مسيساً بامتياز، حيث تُستخدم الأدوات النقدية لتغطية اختلالات السلطة لا لمعالجتها، وحيث تُستبدل الإصلاحات بهندسات مالية تُراكم المخاطر بدل توزيعها.

الأزمة النقدية اللبنانية كشفت، بصورة فاضحة، محدودية الافتراض القائل بحياد النقود. فالعملة لم تكن مجرد وسيط تبادل، بل تحوّلت إلى أداة تمويل سياسي، وإلى رافعة لإعادة توزيع الخسائر بطريقة غير معلنة. ومع ذلك، ظلّ التعليم الاقتصادي يتعامل مع السياسة النقدية وكأنها ممارسة تقنية منفصلة عن الصراع الاجتماعي، متجاهلًا أن الثقة بالنقود ليست نتاج معادلات، بل نتاج مؤسسات شرعية وقدرة إنتاجية حقيقية.

أما الفشل في التنبؤ، وهو أحد مصادر الإحباط الأكاديمي، فلا يمكن فصله عن هيمنة مقاربة تعليمية تُكافئ النماذج المتّسقة داخليًا ولو كانت مفصولة عن الواقع. فقد وُجدت تحذيرات واضحة من نموذج الريع المالي، ومن تضخم الدين العام، ومن هشاشة ميزان المدفوعات، لكن هذه التحذيرات بقيت هامشية لأنها لم تنسجم مع سردية "الاستقرار" التي استفادت منها السلطة السياسية والمالية على حد سواء. المشكلة هنا ليست في غياب التحليل، بل في انتقائية المعرفة التي دخلت المنهج وصُنِّفت كعلم. 

من هذه الزاوية، لا تبدو خيبة أمل زميلي نتيجة فشل علم الاقتصاد بقدر ما هي نتيجة فشل الطريقة التي جرى بها اختزال الاقتصاد وتدريسه. لقد جرى تقديمه كعلم مكتمل، محايد، منفصل عن التاريخ والسياسة، بينما كشفت التجربة اللبنانية أن الاقتصاد لا يعمل في فراغ، وأن تجاهل البُعد المؤسسي والسياسي لا يؤدي إلى حياد علمي، بل إلى عمى تحليلي.

إن تصويب هذه الخيبة لا يكون برفض علم الاقتصاد، بل بإعادة تعريفه، فلبنان يقدّم درسًا قاسيًا لكنه بالغ الأهمية: لا يمكن فهم سعر الصرف من دون فهم طبيعة الحكم، ولا يمكن تحليل القطاع المصرفي من دون مساءلة علاقته بالدولة، ولا يمكن تدريس السياسة النقدية من دون الاعتراف بأنها ممارسة سلطة بقدر ما هي أداة تقنية. عند هذا الحد، تتحول الأزمة من فضيحة نظرية إلى فرصة معرفية.

بهذا المعنى، فإن الانهيار اللبناني لم يحدث خارج علم الاقتصاد، بل خارج المنهج الذي قُدِّم على أنه الاقتصاد ذاته. وما عبّر عنه زميلي ليس خيبة أستاذ أخفق في التنبؤ، بل شهادة على ضرورة إعادة بناء علم الاقتصاد كعلم نقدي، تاريخي، ومؤسسي، قادر على تفسير الانهيار لا الاكتفاء بالدهشة أمامه.