كيف تكون الديمقراطية؟
تعرف الديمقراطية في الغالب على إنها ذلك النظام الحاكم الذي يُمَكَن ويَتَمَكَن بإرادة الناس متوافقًا مع المنحنى الذي ترغب به الجماهير أو كما أوجز إبراهام لينكولن ذلك بقوله إنها نظام حكم من الشعب وإلى الشعب ولأجل الشعب. ولذلك ينظر إلى النظام على إنه ديمقراطي عندما يسعى أن يلبي إرادة الناس دون الخوض في تفاصيل هيكل النظام.
لا يمكن بأي حال تطبيق المبدأ أعلاه على كل الأنظمة وأن توسم بوسم الديمقراطية لمجرد خمود صوت الأغلبية وإن كانت ملبية لطموح الشارع، لأن ذلك عصي على الإثبات منطقًا، وإن كان بديهيًا فإن الأمر يتطلب دليلاً ملموسًا على أن نظم معينة تمثل شعوبها كالانتخابات.
الأمر نفسه ينطبق على فقه الشورى الذي يقوم مقام الديمقراطية ويفرض نظام حكم قائم على شورى أهل الحل والعقد أي الأناس القادرين على تسيير الجماهير وتحريك الشارع، فمن يحدد أهل الحل والعقد؟ ومن يقول إن فلانًا الذي يطيعه ألف إنسان يماثل في الشورى من يطيعه مئة ألف؟ أو من يقول أن هؤلاء مطاعون بإرادة الجماهير الحرة؟ وهل يساوى من بيده ألف مدني بمن يحرك ألف مسلح؟ فتدور الدائرة إلى إن الانتخابات التي يرفضونها هي السبيل الأسلم لهم.
إن السؤال البديهي الإجابة الذي يفرضه المجادل في جدوى الديمقراطية والذي من المهم مناقشته قبل الخوض في تفصيلها هو «لماذا الديمقراطية هي النظام الأسلم للحكم» وهنا أقول الأسلم وليس المثالي لأن المثالية لا تتحقق دائمًا باختيار الناس أيً كان، بل بحسن استعمال ذلك الحق. وللجواب على سلامة الديمقراطية ينبغي أن نعرف أن الوصف الأشمل للعبودية أنها الإجبار بشكل عام، فلا يقتصر مفهومها على جانب واحد أو مستوى واحد بل إنك لو أجبرت إنسانًا على قبول أي واقع لا يكون له الخيرة فيه فإنك استعبدته، وإن كان في صالحه.
عندما لا يكون للإنسان الإرادة الحرة في أمر من يحكمه فإن نازع الحرية الكامن في الفرد يجبره على التمرد وخرق النظام بمجرد أن يسمح له الظرف بذلك، سواءً كان النظام عادلاً، مرفهًا عن شعبه أم لا. فإن الفرد يفترض إنه لو اختار طريقة حكمه سيكون خياره أفضل من الموجود ولو كان الأعدل. تأسيسا على ما سبق فإن بقاء ذلك النظام يتطلب قبضة أمنية مشددة تأخذ بالشبهة. وهذه القبضة لابد لها أن تقع في الظلم، وذلك مصير لا مفر منه، لأن الأخذ بالشبهة والظن لا ينفك حتى يفتك ببريء يومًا أو يعذبه على الأقل.
إن الديمقراطية بمعناها الأوجز، هي قبول الأقلية الكبيرة أن تحكم برأي الأغلبية البسيطة، ولا يكون ذلك ممكنًا إلا لو توفر أحد شرطين أو كلاهما، وأولهما ألا يكون الخلاف بين الأغلبية والأقلية على أساس الجوهر، وثانيهما أن تشعر الأقلية أنها من الممكن أن تنمو إلى أكثرية خلال دورة أو دورتين انتخابيتين، ولا يحدث ذلك إلا لو كان الخلاف بين الكتلتين مبنيًا على أسس سياسية بحتة لا خلافًا عرقيًا أو دينيًا.
إن الشرط الأول في تحقق قبول الديمقراطية وجدواها والمتعلق بالفروقات المميزة بين الكتلتين والتي اشتراطنا أن لا تكون جوهرية، تتجلى بوضوح في الحزبين الأمريكيين التقليديين أو حزب العمال والمحافظين البريطانيين، حيث نرى في كلا النموذجين أن السياسات التي يفرضها الحزب الفائز لا تغير السلوك العام للنظام الحاكم أو تفرض تحولاً كاملاً بل تتجلى في جزئيات الدعم الحكومي وبعض السياسات الخارجية. ولذا لا تجد الأقلية ضيقًا يدفعها لمحاولة قلب نظام الحكم سلمًا أو حربًا. وهذا هو المقصود بأن لا يكون الخلاف جوهريًا. ولكن ماذا لو كان كذلك؟ تخيل بلادًا يتنافس فيها حزبان، الأول حزب يدعو لنظام إسلامي والثاني يدعو لدولة مسيحية، وإن أحد هذين الحزبين له الجمهور الغالب في البلاد، عندها ينهدم الشرطان الموضوعان وتنتهي أي محاولة لفرض الديمقراطية نهاية دموية.
هذا المثال يكسر الشرط الثاني كذلك، فلا أمل للأقلية أن تتحول لأكثرية في فترة قصيرة، فالاستقطاب الانتخابي هنا مبني على التوجه العقدي لا السياسي، فهو يعتمد أساسا على النمو السكاني للجماعة لا تغير أفكار أفرادها. وبالتالي فإن أي محاولة لفرض نظام ديمقراطي مبني على الأكثرية ستنتهي بالفشل. فلا بد هنا من إقامة نظام مبني على المحاصصة والحوار بلا وزن للمقاعد والأصوات سوى لاختيار الشخوص.
إن نجاح النظام الديمقراطي يعتمد في الأساس على نوع الاستقطاب الانتخابي، فالاستقطابات المرنة كالتوجه الوطني تنتج أنظمة أكثر استقرارًا من تلك التي تستقطب على أساس الدين أو القومية. خذ على سبيل المثال المجتمع الأمريكي، الاستقطاب على أشده بين الجمهوريين الذي يمثلون اليمين والديمقراطيين الذين يمثلون الوسط (وأحيانًا يحسبون على اليسار) إن هذا الاستقطاب المبني على التوجه الوطني لا القومي، جعل المواطن حرًا بالاختيار بين التوجهين. وفقا للشرط الأول من شروط الديمقراطية لا يوجد اختلاف جوهري بين الحزبين، فلا يدعو الأول لإقامة نظام فاشي يميني، ولا يدعو الثاني لحكم يساري اشتراكي مطلق. وبالتالي فإن فوز أي منهما لا يسبب ضغطًا على الطرف الخاسر يدعوه لقلب النظام.
ويحقق هذا النموذج الشرط الثاني فالأغلبية والأكثرية في تغير مستمر تبعًا لوسائل الإقناع، وتنفيذ الوعود التي يتبعها الحزب، فتزداد شعبية أحدهما لدورة ثم يحل محله الحزب الآخر في الدورة الأخرى، إذ إن كلا الحزبين يتنافسان على أساس سياسي بحت، فلا يدعي أحدهما إنه ممثل حصري للأمريكان الكاثوليك ويدعي الآخر إنه ممثل عن البروتستانت حصرًا. أو يأخذان منحًا قوميًا فيكون أحدهما حزبًا للأمريكان الأفارقة والآخر للقوقازيين. بل إن كلاهما ممثل عن عامة البلاد.
فيما لو أخذنا العراق أو لبنان مثالاً فسنجد استقطابًا مذهبيًا قوميًا مختلطًا منجًا لنفس النواتج الانتخابية على مر الزمن، حيث يضطر الناخب لتكرار نفس التجربة لغياب المستقطب الفكري فالشيعة مضطرون لانتخاب أحزابٍ شيعية أصولية لأن الأحزاب الأخرى بدورها لا تمثل إلا طوائفها ولن تلتفت إلى احتياجه، في المقابل ينتخب الكردي أحزابه القومية الكردية للسبب ذاته وهكذا. فلو تقرر يومًا أن يكون الحزب الفائز هو الحزب الوحيد الذي يشكل الحكومة دون الاضطرار إلى الذهاب نحو المحاصصة عندها ستهيمن الأحزاب الشيعية وحدها على الحكم لأنها صاحبة الأغلبية السكانية والجغرافية، فما الذي سيجبر الشيعي على انتخاب حزبٍ ينادي بالحاكمية السنية، مناطقيةً ومذهبًا؟
إن الديمقراطية ليست النظام المثالي الذي يحقق "اليوتوبيا"، إلا إنه الأسلم إن تحققت شروط نجاحه لا غير. فإن اختلت تلك الشروط فإن النظام يتكيف تلقائيًا لاستيعاب الموقف، عبر توفير بدائل تحول ديمقراطية النظام إلى أمر مشكوك فيه، كالمحاصصة التي لا تراعي الأوزان الانتخابية، فإن لم يتكيف فالفوضى المسلحة هي ما ينتظره. هذه البدائل التي توفرها الأنظمة في لبنان والعراق، على سوئها، هي الحائط الذي يفصل هذه البلدان عن الانزلاق في صراع داخلي شامل، في ظل استحالة تطبيق النظام الديمقراطي. ليس كأنهم لا يرغبون في ذلك، ولكنه مستحيل.