"الفوضى الخلاقة" التي دمرت الاقتصادات
في مطلع العقد الثاني من الألفية بدا وكأن التاريخ منح المنطقة العربية فرصة نادرة. خرجت الشعوب من تونس إلى القاهرة، ومن دمشق إلى بيروت، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وكأن السياسة ستفتح أخيرا على مستقبل مختلف. لكن ما لم يُطرح يومها، أو طُرح بخجل، هو السؤال الاقتصادي: ماذا بعد سقوط الأنظمة أو اهتزازها؟ من سيدير الدول، ومن سيدفع كلفة الانتقال؟ بعد أكثر من عقد، يبدو الجواب قاسيا: الربيع العربي لم يفتح باب النمو، بل أطلق سلسلة من الاقتصادات المتهالكة التي ما زالت تدفع ثمن فوضى بلا خَلق.
لم يكن الفشل الاقتصادي وليد الصدفة، حملت الاحتجاجات شعارات سياسية وأخلاقية واضحة لكنها افتقرت إلى برامج اقتصادية انتقالية. سقطت أنظمة أو اهتزت، بينما بقيت البُنى المالية والنقدية على حالها أو تُركت لتتفكك وحدها. في هذا الفراغ تلاقى ضعف الداخل مع رؤية خارجية تعاملت مع المنطقة بمنطق «الفوضى الخلّاقة»: تفكيك القديم أولا على أمل أن يولد الجديد لاحقا. غير أن ما وُلد فعليا لم يكن اقتصادات حديثة، بل فراغا طويل الأمد، دفع الجميع ثمناً باهظًا.
في تونس، البلد الأم للربيع العربي، لم ينهَر النظام السياسي بالكامل، لكن الاقتصاد دخل حالة إنهاك مزمن. الناتج المحلي بالكاد نما خلال عقد كامل، الدين العام تجاوز 80 في المئة من الناتج، والعملة فقدت أكثر من نصف قيمتها. الانتقال السياسي لم يترافق مع إصلاح مالي أو إنتاجي، فتحوّلت الديمقراطية الوليدة إلى ساحة صراع على موارد شحيحة. المستقبل التونسي يتوقف على قدرة النخبة السياسية على كسر الجمود، لأن الزمن يعمل ضدها: الدين يرتفع، والموارد محدودة، والبطالة مزمنة.
في مصر، اختير مسار مختلف: استعادة الدولة المركزية والاستقرار السياسي مقابل تأجيل كلفة الاقتصاد. حققت البلاد معدلات نمو اسمية لكن بثمن مرتفع. الدين الخارجي قفز من نحو 40 مليار دولار قبل 2011 إلى أكثر من 165 مليارا، والجنيه تعرّض لثلاث تخفيضات كبرى أفقدته أكثر من 70 في المئة من قيمته، والمستقبل المصري يتوقف على القدرة على تحويل الاستقرار إلى اقتصاد منتج يخلق وظائف حقيقية لا إلى حلقة مفرغة من الاقتراض وسداد الفوائد. مصر قد لا تنهار، لكنها معرّضة لاستنزاف بطيء إذا لم تُعاد هيكلة نموذجها الاقتصادي.
أما ليبيا وسوريا والسودان فقد تجسدت فيها الفوضى بأوضح صورها. في ليبيا تفككت الدولة وتحول النفط من مورد سيادي إلى أداة صراع. مستقبلها الاقتصادي مرهون بإعادة توحيد السلطة والمؤسسات، وإلا ستبقى ثروة النفط مصدر نزاع لا خلاص. في السودان، تلاشت الآمال سريعا تحت وطأة الانقسامات والحرب، والتضخم تجاوز 300 في المئة في بعض السنوات، ملايين الناس انزلقوا إلى الفقر والمجاعة، وإعادة بناء الاقتصاد هناك مشروطة بوقف الحرب أولا ثم إعادة تأسيس الدولة من الصفر تقريبا.
في سوريا حيث كان الناتج المحلي قبل 2011 يقارب 60 مليار دولار، أدت الحرب والعقوبات إلى فقدان أكثر من 60 في المئة من الناتج وانهيار الليرة، وولادة اقتصاد أسير انعدام الاستقرار السياسي، اقتصاد لا يعرف الاستثمار ولا الأفق. سوريا قد تشهد أرقام نمو شكلية، لكنها ستبقى دولة فقيرة بسكانها، عالية التفاوت، ومنخفضة الإنتاجية لسنوات طويلة.
لبنان يشكل حالة خاصة داخل هذا المشهد، لم يخدش النظام السياسي، لكنه دخل انهيارا ماليا من بين الأعنف عالميا. نظام مصرفي قُدّم كنموذج استقرار انهار فجأة، فتبخرت ودائع تُقدّر بأكثر من 100 مليار دولار، وفقدت الليرة أكثر من 95 في المئة من قيمتها. هنا لم تكن الفوضى أمنية بل مالية، ولم تكن خلّاقة بل مدمّرة: لا مصارف سليمة، لا محاسبة، ولا خطة تعافٍ حقيقية. وبالتالي سيستقر لبنان عند مستوى أدنى بكثير من حجمه السابق: دولة أصغر، طبقة وسطى منهكة، ودور اقتصادي إقليمي شبه معدوم. الخطر الحقيقي ليس الانهيار، بل التطبيع مع الانهيار وتحويله إلى نمط حياة.
الدرس الذي تفرضه هذه التجارب أن الفوضى الخلّاقة لم تكن خلاقّة إلا في إعادة توزيع النفوذ، لا في بناء الاقتصادات. فحيث لم تترافق التحولات السياسية مع مؤسسات قوية ورؤية اقتصادية واضحة، كانت النتيجة واحدة: دول أضعف، اقتصادات مدمّرة، ومجتمعات أكثر هشاشة.
اليوم، يبدو مستقبل هذه الدول متباينا في الشكل، لكنه متقاطع في الجوهر. من تونس إلى لبنان، مرورا بمصر وسوريا وليبيا والسودان، لا خلاص من دون استقرار سياسي، محاسبة حقيقية، وإعادة بناء العقد الاقتصادي بين الدولة والمجتمع. دون ذلك، ستبقى الفوضى تتجدد، ولو بأسماء جديدة.