"الفوضى الخلاقة" التي دمرت الاقتصادات
في مطلع العقد الثاني من الألفية بدا وكأن التاريخ منح المنطقة العربية فرصة نادرة. خرجت الشعوب من تونس إلى القاهرة، ومن دمشق إلى بيروت، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وكأن السياسة ستفتح أخيرا على مستقبل مختلف. لكن ما لم يُطرح يومها، أو طُرح بخجل، هو السؤال الاقتصادي: ماذا بعد سقوط الأنظمة أو اهتزازها؟ من سيدير الدول، ومن سيدفع كلفة الانتقال؟
عامودا 1960: النار التي ابتلعت جيلاً
في المساء البارد من يوم الأحد، الثالث عشر من تشرين الثاني 1960، كانت عامودا مدينة صغيرة بالكاد تتسع لهمساتها. شوارع ضيقة، بيوت طينية، ورائحة قمح تتصاعد من البيادر القريبة. كل شيء كان يبدو عاديا… حتى اللحظة التي فتحت فيها سينما “شهرزاد” أبوابها أمام مئات التلاميذ. أطفال في عمر الورود، يحملون بطاقات سوداء ثمنها 25 قرشا، دخلوا بفضول لا يعرف الظنون، ولا يعرفون أن تلك الخطوات لن تجد طريقها إلى العودة.
كردستان الكبرى بين الحلم والواقع
تُعد القضية الكردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيدًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب كبر حجم الشعب الكردي وتوزعه الجغرافي، وإنما بسبب ارتباط القضية بتاريخ المنطقة وحدود الدول التي تشكلت بعد انهيار الدولة العثمانية.
سوريا الجديدة واتحاد اليد الواحدة
في لحظات التحول الكبرى لا تحتاج الدول دائماً إلى معارك جديدة كي تثبت أنها تغيّرت، إذ يكفي أحياناً أن يقف أحد أبرز قادة الحرب أمام الدولة التي كانت في الطرف المقابل، ليعلن أن زمن القوة المستقلة قد انتهى، وأن الطريق المقبل يمر عبر مؤسسات الدولة.
بين خطاب التوافق والخوف من السياسة؟
لم يكن خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجلسة الأولى لمجلس الشعب مجرد كلمة افتتاحية لمؤسسة دستورية جديدة، بل كان إعلاناً رمزياً عن انتقال السلطة من شرعية الثورة إلى محاولة بناء شرعية الدولة. ولذلك فإن قيمة الخطاب لا تُقاس بما تضمنه من وعود تنفيذية، بقدر ما تُقاس بالتصورات السياسية التي حاول ترسيخها، وبالخطاب الذي رافقه داخل المنصة الإعلامية الرسمية.
هل تغيّر مفهوم الأمن في سوريا؟
لم تكن مشاركة رئيس جهاز الأمن القومي والرئيس السابق للاستخبارات العامة السورية حسين السلامة، في مؤتمر رؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة بنيويورك حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد خطوة دبلوماسية تهدف إلى كسر عزلة استمرت سنوات. فالرجل لم يذهب ممثلاً لجهاز أمني فحسب، بل حمل خطاباً أرادت دمشق من خلاله أن تعلن أن سوريا تدخل مرحلة جديدة، ليس فقط في سياستها الخارجية، بل أيضاً في تعريفها لمفهوم الأمن ودوره في بناء الدولة.
عندما حكمت دمشق بعقول عابرة للمكونات
حين يتأمل العقل الفطري المشهد السوري المعاصر، تبرز أمامه المفارقة الإنسانية الأكثر مرارة: جغرافيا عريقة ممتدة، انحبس أفرادها داخل "غرف صدى مرعوبة" من بعضها البعض، وتمترسوا خلف هويات فرعية طارئة، وكأن خطوط الصدع الطائفية والمجتمعية هي قدر فطري لا مفر منه.
الشباب السوري بين التحديات وفرص العمل
في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، يقف الشباب أمام مفترق طرق حاسم، إما أن يكونوا قوة دافعة لإعادة البناء، أو ضحية لظروف اقتصادية واجتماعية معقدة تعيق مشاركتهم الفاعلة، وبين هذين الخيارين تبرز مسؤولية جماعية لإعادة صياغة السياسات الاقتصادية بما يفتح المجال أمام جيل شاب يمتلك الطموح، لكنه يفتقر إلى الفرص.
سوريا.. جراحة قيصرية في رحم الخراب
تعيش سوريا، في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتجاوز في أبعادها مفهوم الانتقال السياسي التقليدي، لتدخل في طور إعادة تعريف الدولة نفسها بعد انهيار اليقين القديم وسقوط البنية الهيكلية التي حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع لعقود طويلة.
"الاستقرار" غطاء خفي لواقع قاس في سوريا
في سوريا اليوم، أصبح مصطلح « الاستقرار » يُستخدم كغطاء يخفي تحت طياته واقعاً أشد قسوة من الفوضى السابقة. هو ليس سلاماً يُبنى، بل تحنيط للجثث الحية. الدولة تتحدث عن استقرار، والمواطن يعيش يومه وكأنه يدفع ديوناً على أرواح أجياله القادمة. الغلاء يأكل ما تبقى من الراتب، والفرص تُغلق قبل أن تولد، والأمل يُدفن تحت ركام اليوميات. لكن الجريمة الأعمق لا تكمن في الغلاء وحده، بل في ميكانيكا التحنيط التي تُدار بها الحياة.