عندما حكمت دمشق بعقول عابرة للمكونات

06 June 2026
aborashossam99@gmail.com
حسام أبو راس
تابع الكاتب عبر :

حين يتأمل العقل الفطري المشهد السوري المعاصر، تبرز أمامه المفارقة الإنسانية الأكثر مرارة: جغرافيا عريقة ممتدة، انحبس أفرادها داخل "غرف صدى مرعوبة" من بعضها البعض، وتمترسوا خلف هويات فرعية طارئة، وكأن خطوط الصدع الطائفية والمجتمعية هي قدر فطري لا مفر منه.

إن العارض الحقيقي الذي يهدد الكيان اليوم ليس دمار الإسمنت، بل هو "الاستلاب المعرفي"، حالة التجهيل المنظم التي جعلت المكونات السورية تجهل تاريخ بعضها وثقافات بعضها، ليستسلم الشارع لبرمجة شقاق حولته من شريك ندي في صناعة الجغرافيا الإقليمية إلى مجرد وقود محلي لمعارك الآخرين.

لكي نفك الارتباط عن هذا الوهم، لا نحتاج إلى خطابات رنانة، بل إلى كلمة تنزل على فؤاد الأم، وعقل التاجر، ونفس الشاب المتعب، كصك أمان حقيقي ومباشر، يعيد قراءة قصة الوعي السوري منذ اللحظة التي نفضت فيها هذه الأرض غبار الاستعمار، كاشفا كيف صنعت "فزاعات الخوف" وكيف تسترد الهوية الصلبة كأمر واقع لا يموت.

في الوقت الذي كانت فيه عواصم كبرى تبحث عن اعتراف بحدودها، كانت سوريا تجلس في "سان فرانسيسكو" كعضو مؤسس لهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لم تكن دمشق يومها تابعة لأحد، بل دخلت المحفل الدولي بـ"منطق الندية المطلقة" وكبرياء بلد يدرك وزنه الجيوسياسي، وبوعي مجتمعي فطري وصاف كان يرى في "عصبية الأرض" مظلة تفوق أي انتماء فرعي. في تلك اللحظة الحرجة، تجلت العبقرية السورية في تجاوز لوثة العرق والطائفة؛ فبينما كان فارس الخوري (المسيحي) يترأس الوفد السوري ويصوغ مبادئ السيادة، كانت الجغرافيا السياسية تدار بعقول لا ترى في التنوع إلا خزان قوة.

لكن التاجر والماكر في السياسة الدولية أدركا مبكراً أن سوريا الموحدة والواعية بذاتها بضاعة خطيرة تهدد معادلات النفوذ في المشرق العربي؛ ومن هنا بدأت هندسة "تقليم الأظافر الاستراتيجية"، مرحلة الانقلابات العسكرية المتلاحقة وتواكب الإدارات المختلفة منذ الاستقلال لم تكن مجرد تقلبات داخلية على الكرسي، بل كانت آلية صامتة لتعميد "العسكرة" كبديل عن المؤسسات الأهلية والمدنية العابرة للمكونات.

المفارقة الكبرى هنا، والتي يجهلها الجيل الحالي، هي أن تلك الانقلابات والزعامات نبعت من صلب التنوع السوري الصافي دون أن تكون طائفية أو عرقية بالمفهوم الانعزالي السائد اليوم. خذ مثلاً أديب الشيشكلي، الرجل القوي الذي حكم سوريا في مطلع الخمسينيات وصاغ دستوراً مركزياً؛ لقد جاء من خلفية كردية واضحة من حماة، وقبله كان حسني الزعيم بخلفيته الكردية أيضاً، وسامي الحناوي، وصولاً إلى رجالات جبل العرب من الموحدين (الدروز) مثل سلطان باشا الأطرش الذي قاد الثورة السورية الكبرى، والزعامات السياسية والاجتماعية من المكونات الشركسية والآشورية والتركمانية والإسماعيلية.

لم تكن سوريا يوماً ملكاً للون واحد، ولم تكن "ديرفة" السلطة محصورة في عرق؛ بل كان الكردي والدرزي والمسلم السني والمسيحي والعلوي يتحركون في فلك الدولة، وصراع الأيديولوجيات بين قوميين، ويساريين، وليبراليين، لا بصراع الهويات الضيقة، هذا التنوع كان فِطرياً، يغلي في برلمانات دمشق وحواضر حلب، حيث كانت الكفاءة والعصبية السياسية هي من يرفع الزعيم أو يسقطه، وليس جيناته الطائفية.

إلا أن التدخلات الخارجية وهندسة الإدارات في العقود اللاحقة عملت بذكاء على قلب هذه المزية إلى ثغرة، تحولت إدارة الشؤون الداخلية والخارجية إلى معادلة براغماتية نفعية محكمة؛ جرى ربط التوازن الاقتصادي ببرجوازية المدن الكبرى لتأمين الاستقرار المالي، في حين تحول أبناء الأرياف والأقليات تدريجياً إلى خزان بشري للمؤسسة العسكرية والأمنية بعد إفراغ المجتمع من نخبته الفكرية والعلمانية. 

هنا تحديداً نبتت "الطائفية الوظيفية الصامتة"؛ حيث عُزلت المكونات في معازل معرفية وتنموية غامضة، وجرى ربط أمان الأقليات بفزاعة الخوف من الأغلبية، بينما عُبئت الأغلبية بالشعور بالإقصاء تجاه الهيمنة، هذا الجهل التاريخي والثقافي المتبادل لم يكن مصادفة، بل كان استراتيجية ذكية لإبقاء المجتمع عاجزاً عن إنتاج عقد اجتماعي مستقل، ليرهن الشارع نفسه غريزياً لمنطق "الحامي الأوحد" ويسقط مفهوم المواطنة الندية المستدامة.

 

إن الغاية من قراءة هذا الإرث الجيوسياسي والتاريخي لسوريا ليست البكاء على أطلال مقعد مجلس الأمن أو التغني بأسماء الراحلين، بل انتزاع الشرارة الباطنية التي توقظ عقول الشباب. شكل العالم والقادم من الأيام قد يبقى طيّ الكتمان، لكن وعي ابن الأرض يخبرنا أن النجاة لا تكون بالثأر أو الاستسلام لبرمجة الخوارزميات وصور العداوات المفتعلة. عندما يدرك الشاب اليوم أن الكردي والدرزي والمسيحي والعلوي والسني هم من بنوا أساسات هذه الدولة وأداروا شؤونها من الداخل والخارج كشركاء أنداد، يسقط وهم الانقسام الحالي كـبضاعة مغشوشة.

التعافي السياسي والمجتمعي ليس وصفة ناعمة تـُستجدى من مسارات خارجية، بل شجاعة معرفية تبدأ بفك الارتباط عن كوابيس الشحن الطائفي، والعودة إلى منطق الدولة الحاضرة التي تعيد صياغة العقد الاجتماعي على أرضية الإنصاف، لكي يثمر صمود الأرض، لا بد من سيادة القانون الصلب الذي يرد المظالم ويحاسب المرتكب بجريرته وصفته الشخصية كفرد، دون تزرير للمكونات أو تحميل طائفة أو عرق وزر أفراد؛ فعندما يسقط الشباب فزاعات الخوف المتبادل ويتحاورون بفطرتهم وأصالتهم، يسترد الإنسان السوري سيادته الكاملة، ويعود التاجر والمزارع والعامل لـبناء الغد كشركاء أنداد، يفرضون استقرارهم كأمر واقع تلتصق به الجغرافيا وتخضع له حسابات الأمم.