سوريا الجديدة واتحاد اليد الواحدة

28 August 2026
qhtani4500@gmail.com
منيس محمد القحطاني
تابع الكاتب عبر :

في لحظات التحول الكبرى لا تحتاج الدول دائماً إلى معارك جديدة كي تثبت أنها تغيّرت، إذ يكفي أحياناً أن يقف أحد أبرز قادة الحرب أمام الدولة التي كانت في الطرف المقابل، ليعلن أن زمن القوة المستقلة قد انتهى، وأن الطريق المقبل يمر عبر مؤسسات الدولة.

هذا بالضبط ما يجعل إعلان مظلوم عبدي حل قوات سوريا الديمقراطية واندماج عناصرها ومؤسساتها في الدولة السورية لحظة تتجاوز حدود الاتفاق العسكري. إنها لحظة يمكن قراءتها بوصفها أحد أبرز مؤشرات تشكّل سوريا الجديدة، سوريا التي تحاول الانتقال من تعدد القوى والسلاح ومناطق النفوذ إلى دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وقرار سيادي واحد.

ومن هنا يأتي التعبير الرمزي: اتحاد اليد الواحدة. وهو لا يعني يداً واحدة تلغي بقية الأيدي، بل دولة واحدة تمتلك القرار السيادي، ومؤسسات واحدة تتولى الأمن والدفاع، ومجتمعاً متعدد الهويات يعيش تحت مظلة قانون واحد.

لأكثر من عقد لم تكن سوريا دولة بالمعنى التقليدي الكامل. قسّمت الحرب الجغرافيا ووزّعت القوة بين الجيش السوري والفصائل المسلحة والقوى الكردية وتنظيم "داعش" والقوى الإقليمية والدولية. وفي شمال شرقي البلاد أصبحت قوات سوريا الديمقراطية واحدة من أبرز القوى العسكرية والسياسية، خصوصاً بعد دورها المحوري في الحرب ضد التنظيم.

لكن كل قوة عسكرية مستقلة تحمل معها سؤالاً مؤجلاً: ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب؟ فالانتصار العسكري على "داعش" لا يعني تلقائياً انتهاء الحاجة إلى إعادة بناء الدولة، وبقاء قوى مسلحة متعددة يعني أن الحرب قد تنتهي بينما يبقى شكل الدولة معلقاًلهذا لا ينبغي أن يُقرأ قرار حل "قسد" بوصفه مجرد تفكيك لقوة عسكرية، بل بوصفه محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين السلاح والدولة.

ربما تكون المفارقة الأكبر أن مظلوم عبدي، الذي صار خلال سنوات الحرب أحد أبرز القادة العسكريين في شمال شرقي سوريا، هو نفسه من يعلن اليوم الانتقال من منطق القوة المستقلة إلى منطق الدولة. وهنا تكمن أهمية الخطوة: القائد الذي كان يتحدث باسم قوة تملك جيشاً وأرضاً ونفوذاً، أصبح يتحدث عن الاندماج في المؤسسات السورية.

إنها عملية انتقال من قوة خارج المؤسسة إلى قوة داخلها، ومن قرار محلي مستقل إلى قرار دولة، ومن منطقة نفوذ إلى جزء من الدولة السورية. وهذا التحول، إذا نُفّذ بصورة كاملة، قد يكون واحداً من أهم التحولات السياسية والعسكرية في سوريا الحديثة.

هنا يجب التفريق بين أمرين: حل "قسد" كقوة عسكرية مستقلة لا يعني حل القضية الكردية، وانضمام المقاتلين إلى مؤسسات الدولة لا يعني ذوبان الهوية الكردية. بل على العكس، يمكن النظر إلى الاندماج بوصفه انتقالاً بالقضية الكردية من الجغرافيا العسكرية إلى المجال السياسي والقانوني.

فالهوية لا تحتاج إلى جيش يحمي وجودها إذا كانت الدولة نفسها تعترف بحقوق مواطنيها، واللغة لا تحتاج إلى منطقة نفوذ إذا كانت محمية بالقانون، والثقافة لا تحتاج إلى سلاح إذا كانت الدولة تعدّها جزءاً من تنوعها الوطني. وهنا تحديداً يمكن أن تبدأ سوريا الجديدة.

إن دخول عناصر وقوى كانت تعمل خارج المؤسسات الرسمية إلى وزارة الداخلية ومؤسسات الدولة يحمل دلالة تتجاوز الجانب الإداري. فالوزارة ليست مجرد مبنى حكومي، إنها رمز لمفهوم الدولة الحديثة: الأمن ليس ملكاً لتنظيم أو حزب أو منطقة، وإنما مسؤولية مؤسسة وطنية.

وعندما ينتقل رجل كان يحمل السلاح باسم قوة سياسية أو عسكرية إلى مؤسسة الدولة، فإن السؤال لم يعد "لمن يتبع هذا المقاتل؟"، بل تصبح الإجابة محسومة: للدولة. وهذه هي النقلة الجوهرية، فالدولة الحديثة لا تقوم على تعدد الجيوش ولا على تعدد الأجهزة الأمنية ولا على تعدد مراكز القرار، بل على مؤسسات وطنية واحدة.

ولعل هذه أهم نقطة في مفهوم "سوريا الجديدة". فالوحدة الوطنية لا تعني أن يصبح السوريون جميعاً متشابهين، ولا تعني إلغاء الكردي أو العربي، ولا إلغاء التنوع الثقافي أو اللغوي. إنها تعني قانوناً واحداً ودولة واحدة ومؤسسات واحدة وحقوقاً متساويةفاليد الواحدة تستطيع أن تضم أصابع مختلفة، ولا تصبح قوية لأن أصابعها متطابقة، بل لأنها تعمل معاً. وهذا هو المعنى الحقيقي لاتحاد اليد الواحدة.

إذا نظرنا إلى تاريخ سوريا الحديث، سنجد أن العلاقة بين الدولة والمجتمع كانت دائماً واحدة من أكثر القضايا تعقيداً. ففي عهد حافظ الأسد كانت الدولة شديدة المركزية، وكانت المؤسسة الأمنية والعسكرية الأداة الأساسية للحفاظ على تماسك النظام. ثم جاء عهد بشار الأسد لتنفجر التناقضات بصورة أكثر حدة مع اندلاع الحرب عام 2011.

بعد ذلك دخلت سوريا مرحلة غير مسبوقة من التفتت العسكري والجغرافي: ظهرت قوى متعددة، ودخلت دول إقليمية، ثم الولايات المتحدة وروسيا وقوى دولية أخرى، وظهر "داعش"، وتحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية.

يمكن النظر إلى ما جرى بعد ذلك بوصفه سلسلة مترابطة: ظهر "داعش" في لحظة انهيار الدولة، ثم قاتلته قوى محلية ودولية كانت قوات سوريا الديمقراطية إحدى أبرزها، وبعد تراجعه بقي السؤال مفتوحاً حول مستقبل القوى التي نشأت خلال الحرب. واليوم يأتي قرار إدخال تلك القوة ضمن الدولة، ليصبح المسار على النحو الآتي: الحرب، فمحاربة الإرهاب، فتثبيت الأمن، فإعادة بناء الدولة. وإذا نجحت هذه المرحلة فإنها تعني أن سوريا بدأت أخيراً بالخروج من منطق الحرب إلى منطق الدولة، أي بإعادة جمع ما تفرق.

تكسب دمشق شيئاً بالغ الأهمية، هو استعادة مبدأ وحدة الدولة واحتكارها للسلاح والقرار السيادي. ويكسب الجانب الكردي شيئاً لا يقل أهمية، هو الانتقال من قوة عسكرية تحمي وجوده إلى مواطنين وفاعلين سياسيين داخل الدولة.

وهذا هو الفارق بين منطق الحرب ومنطق السياسة: في الحرب يحتاج كل طرف إلى قوته لحماية نفسه، وفي الدولة يفترض أن تحمي المؤسسات الجميع. ولهذا فإن نجاح الاتفاق لا يتوقف على عملية دمج القوات وحدها، بل على بناء الثقة أيضاً.

قد ينتهي الإعلان التاريخي في دقائق، لكن تنفيذ مضمونه قد يحتاج سنوات. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدولة السورية على دمج القوات والمؤسسات بطريقة عادلة، وعلى ضمان الحقوق المدنية والثقافية والسياسية لجميع السوريين. وفي المقابل ستختبر قدرة القوى الكردية على الانتقال من منطق الإدارة الذاتية والقوة العسكرية إلى منطق الدولة والمؤسسات والمشاركة السياسيةوهنا يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع الطرفان أن يثق أحدهما بالآخر بعد كل هذه السنوات؟ ليست المسألة بسيطة، لكنها ليست مستحيلة.

أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه سوريا الجديدة هو التعامل مع هذه اللحظة بوصفها انتصاراً عربياً على الأكراد أو انتصاراً لدمشق على "قسد"، فهذا النوع من القراءة يعيد إنتاج المشكلة نفسها. الأكثر عقلانية هو النظر إليها بوصفها انتصاراً لفكرة الدولة على فكرة الانقسام المسلح. فحين يصبح السلاح تحت مظلة الدولة لا يخسر المواطن الكردي، وحين يحصل الكردي على حقوقه داخل الدولة لا يخسر المواطن العربي. الخاسر الوحيد هو منطق الانقسام الدائم.

لعقود طويلة كانت سوريا تعرف كيف تتعامل مع السلاح بوصفه أداة للصراع، أما التحدي الجديد فهو أن تتعلم كيف تجعل السلاح مؤسسة. وهذا هو الفرق بين الدولة والفوضى: البندقية التي كانت في يد تنظيم تصبح في يد الدولة، والقوة التي كانت تحمي منطقة تصبح جزءاً من مؤسسة وطنية، والقرار الذي كان موزعاً بين قوى متعددة يعود إلى مركز واحد.