بين خطاب التوافق والخوف من السياسة؟

15 August 2026
jl.hursa@gmail.com
جمال حمور
تابع الكاتب عبر :

لم يكن خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجلسة الأولى لمجلس الشعب مجرد كلمة افتتاحية لمؤسسة دستورية جديدة، بل كان إعلاناً رمزياً عن انتقال السلطة من شرعية الثورة إلى محاولة بناء شرعية الدولة. ولذلك فإن قيمة الخطاب لا تُقاس بما تضمنه من وعود تنفيذية، بقدر ما تُقاس بالتصورات السياسية التي حاول ترسيخها، وبالخطاب الذي رافقه داخل المنصة الإعلامية الرسمية.

لم يتحدث الشرع كرئيس حكومة يقدم برنامجاً اقتصادياً أو تشريعياً، ولم يكن من مقتضى المناسبة أن يحدد أولويات مجلس الشعب أو يفرض عليه جدول أعماله، لأن المجلس، من حيث المبدأ، هو صاحب الاختصاص في تحديد أولوياته ضمن الإطار الدستوري. كما أن العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يرسمها الإعلان الدستوري، لا الخطاب السياسي. لذلك، فإن الانتقادات التي عابت على الخطاب غياب التفاصيل الاقتصادية أو العدالة الانتقالية أو البرامج التشريعية تبدو، في جانب منها، متجاوزة لطبيعة المناسبة نفسها.

غير أن الخطاب يثير أسئلة من زاوية أخرى، فقد اختار أحمد الشرع أن يجعل من "الشورى" و"التوافق" و"نبذ الفرقة" المفردات المركزية في كلمته. ولا يبدو أن استخدام "الشورى" هنا كان توصيفاً فقهياً لطبيعة النظام السياسي، فتركيبة مجلس الشعب نفسه، بما تضمه من شخصيات قانونية ومدنية ومن خلفيات دينية وقومية متنوعة، لا تنسجم مع المفهوم التقليدي للشورى كما ورد في التراث السياسي الإسلامي. لذلك تبدو "الشورى" أقرب إلى مفردة رمزية، أو جسر لغوي يصل بين الخلفية الفكرية للرئيس وبين مشروع دولة تسعى إلى اكتساب شرعية وطنية أوسع. فهي تخاطب الحاضنة المحافظة من دون أن تحدد بصورة قاطعة شكل النظام السياسي المقبل.

ما يستحق التوقف أكثر ليس الخطاب الرئاسي وحده، وإنما الخطاب الإعلامي الذي رافقه. فخلال النقل المباشر للجلسة الافتتاحية، وجّه الإعلامي جميل حسن رسالة مطولة إلى أعضاء مجلس الشعب، دعاهم فيها إلى رفض التحزب والتيارات السياسية، محذراً من أن المجلس سيفقد صفته ممثلاً للشعب إذا تحول إلى ممثل للأحزاب، بل ذهب إلى القول إن من لم يحقق أهدافه بالسلاح قد يحاول تحقيقها عبر البرلمان من خلال الأحزاب، معتبراً أن دخول التيارات السياسية إلى المجلس سيكون "بداية النهاية".

ولا يمكن التعامل مع هذا الكلام باعتباره مجرد تعليق عابر. فهو قيل في التغطية المباشرة لحدث تأسيسي، وعلى منصة إعلامية رسمية، وفي لحظة كانت السلطة تسعى فيها إلى تعريف الرأي العام بوظيفة مجلس الشعب الجديد. ومن ثم، يصبح هذا الخطاب جزءاً من البيئة السياسية المصاحبة لافتتاح المجلس، حتى وإن لم يكن بياناً رسمياً صادراً عن الرئاسة.

واللافت أن خطاب حسن لا يكتفي بالدعوة إلى الوحدة الوطنية أو نبذ الاستقطاب، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في التعددية الحزبية نفسها. فهو يفترض أن "صوت الشعب" و"صوت الحزب" نقيضان، وأن وجود التيارات السياسية داخل البرلمان يؤدي تلقائياً إلى تفكيكه. 

هذه الفرضية تستحق نقاشاً عميقاً. فالبرلمان، في التجارب الدستورية الحديثة، ليس مؤسسة تُلغى فيها الاختلافات السياسية، بل مؤسسة تُنظَّم فيها هذه الاختلافات. والأحزاب، متى كانت ملتزمة بالدستور وسلمية وذات برامج وطنية، ليست نقيضاً لتمثيل الشعب، بل إحدى الوسائل التي يعبّر بها المجتمع عن مصالحه ورؤاه المختلفة. أما الربط بين الأحزاب وبين استمرار الحرب، فيقلب منطق المراحل الانتقالية رأساً على عقب. فالغاية من الانتقال السياسي هي نقل التنافس من السلاح إلى السياسة، ومن الميدان إلى البرلمان، لا النظر إلى العمل السياسي بوصفه امتداداً للصراع العسكري.

هنا تبرز المسافة بين خطاب الرئيس وخطاب الإعلامي المرافق له. فالشرع تحدث عن التوافق وإدارة الاختلاف، لكنه لم يدعُ صراحة إلى رفض الأحزاب أو التعددية السياسية. أما الخطاب الإعلامي، فقد قدّم تفسيراً أكثر تشدداً، يضع العمل الحزبي نفسه موضع ريبة. ولا يكفي هذا وحده للقول إن الرئاسة تتبنى هذا الموقف رسمياً، لكن من الصعب أيضاً اعتباره مجرد رأي شخصي معزول، بالنظر إلى توقيته وسياقه والمنصة التي قيل من خلالها.

السؤال الحقيقي الآن لا يتعلق بما إذا كان أحمد الشرع أو جميل حسن مع الأحزاب أو ضدها، بل بما إذا كانت الدولة السورية الجديدة تتجه نحو تنظيم التعددية السياسية أم نحو تأجيلها باسم التوافق الوطني. وسيكون الجواب عن هذا السؤال في القوانين لا في الخطابات: في قانون الأحزاب، وقانون الانتخابات، وضمانات حرية التنظيم، واستقلال مجلس الشعب في ممارسة دوره التشريعي والرقابي.

الحديث عن الوحدة الوطنية يكتسب معناه الحقيقي عندما يكون قادراً على استيعاب الاختلاف، لا عندما يصبح بديلاً عنه. والدولة التي تنجح في بناء مؤسسات مستقرة ليست الدولة التي تُلغي السياسة، بل التي تجعلها تعمل تحت سقف الدستور وسيادة القانون. ولهذا، فإن خطاب افتتاح مجلس الشعب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية النقاش حول شكل النظام السياسي، بل بدايته. وما إذا كانت مفردات "الشورى" و"التوافق" ستقود إلى دولة تتسع للتعددية السياسية، أم إلى دولة تفضل الإجماع على المنافسة، سيبقى سؤالاً مفتوحاً إلى أن تجيب عنه الممارسة السياسية نفسها.