كردستان الكبرى بين الحلم والواقع
تُعد القضية الكردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيدًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب كبر حجم الشعب الكردي وتوزعه الجغرافي، وإنما بسبب ارتباط القضية بتاريخ المنطقة وحدود الدول التي تشكلت بعد انهيار الدولة العثمانية. حيث يتركز الوجود الكردي بصورة رئيسية في تركيا والعراق وسوريا وإيران، وهي المنطقة التي يطلق عليها في الأدبيات السياسية والجغرافية اسم " كردستان التاريخية ".
ومن هذه الزاوية لا تعني تلك التسمية وجود كيان سياسي موحد، وإنما تشير إلى المناطق التي يشكل الأكراد فيها كتلة سكانية تاريخية. ومنذ تأسيس الدول الحديثة، واجه الأكراد معادلة صعبة ألا وهي كيفية الحفاظ على هويتهم القومية والثقافية في ظل وجودهم داخل دول تعتبر وحدة أراضيها وسيادتها الوطنية مسألة غير قابلة للتفاوض .
ومن هنا نشأت مجموعة من المطالب تراوحت بين الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة، والحصول على حقوق سياسية وإدارية أوسع، وصولًا إلى الحكم الذاتي والاستقلال لدى بعض التيارات والحركات الكردية .
تتراوح التقديرات غير الرسمية لعدد الأكراد في الشرق الأوسط بين نحو 30 و45 مليون نسمة، مع اختلاف كبير بين المصادر بسبب غياب إحصاءات سكانية موحدة تعتمد القومية معيارًا للتعداد، يتوزّعون على أربع دول رئيسية تشكّلت حدودها عقب انهيار الدولة العثمانية. وقد واجه الأكراد معادلة صعبة تمثلت في كيفية الحفاظ على هويتهم داخل دول ترفض التفاوض على وحدتها الترابية. وتتمحور إشكالية المقال حول سؤالين متلازمين : كيف أسهم غياب التسوية التاريخية في انبثاق مسارات سياسية متعددة ؟ ولماذا ظلّت هذه المسارات متمايزة على الرغم من وحدة العناصر الثقافية والاجتماعية؟
الأكراد في الدول الأربع يشتركون في اللغة والثقافة والتاريخ والرموز القومية، وتوجد بينهم علاقات اجتماعية وسياسية وإعلامية عابرة للحدود. لكنهم يعيشون داخل أربع دول تختلف جذريًا في أنظمتها السياسية ومصالحها وأوضاعها الأمنية .
وعلى الرغم من وجود هوية قومية مشتركة لم يؤدِّ ذلك إلى ظهور مشروع سياسي موحد. فالأكراد في تركيا عاشوا تجربة مختلفة عن أكراد العراق، وأكراد سوريا مروا بظروف مختلفة عن أكراد إيران. كما أن الأحزاب والحركات الكردية نفسها تتبنى رؤى سياسية وأيديولوجية متعددة، وتختلف في علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران والحكومات المركزية. وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات القضية الكردية: وحدة القومية لا تعني بالضرورة وحدة المشروع السياسي.
على المستوى الاجتماعي، توجد روابط قوية بين الأكراد في الدول الأربع، وخاصة في المناطق الحدودية. فالعائلات والعشائر والتجمعات السكانية الكردية لم تتوقف علاقاتها بمجرد ظهور الحدود السياسية الحديثة.
كما أن الهجرة والنزوح والحروب ساهمت في خلق شبكات اجتماعية كردية واسعة. وأصبح من السهل اليوم أن يتابع كردي في العراق الأحداث السياسية والثقافية في تركيا أو سوريا أو إيران، وأن يتواصل مباشرة مع أفراد ومؤسسات في الأجزاء الأخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تلعب المدن الأوروبية التي تضم جاليات كردية كبيرة دورًا إضافيًا في هذا التواصل، حيث أصبحت مراكز للنشاط الثقافي والسياسي والإعلامي الكردي. لكن هذا التواصل لا يعني وجود مجتمع سياسي واحد؛ فالاختلافات المحلية والحزبية لا تزال مؤثرة، وفي بعض الأحيان تكون المنافسة بين القوى الكردية أشد من قدرتها على التعاون المشترك.
يمثل العراق الحالة الأكثر تقدمًا في المسار السياسي الكردي . فقد استطاع الأكراد بعد عقود من الصراع الوصول إلى صيغة دستورية اعترفت بإقليم كردستان كإقليم اتحادي داخل الدولة العراقية بعد عام 2005. وأصبح للإقليم برلمان وحكومة وقوات أمنية ومؤسسات إدارية، بالإضافة إلى علاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع دول مختلفة.
إلا أن هذا النجاح كشف في الوقت نفسه حدود المشروع الانفصالي. ففي عام 2017 أجرى إقليم كردستان استفتاءً على الاستقلال، وحظي بتأييد شعبي واسع، لكنه واجه رفض بغداد وتركيا وإيران، إلى جانب تحفظ الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.
وانتهت التجربة إلى تراجع المشروع الاستقلالي، لتثبت الحالة العراقية أن الحصول على حكم ذاتي أو فدرالي ممكن، بينما يبقى إنشاء دولة مستقلة أكثر تعقيدًا بسبب الجغرافيا والاقتصاد والحدود والاعتراف الدولي.
وتُعد تركيا صاحبة أكبر تجمع كردي بين الدول الأربع، لذلك فإن القضية الكردية فيها ترتبط مباشرة بمفهوم وحدة الدولة والأمن القومي. وقد شهدت تركيا منذ ثمانينيات القرن الماضي صراعًا مسلحًا طويلًا مع حزب العمال الكردستاني، إلى جانب محاولات سياسية متكررة لمعالجة القضية.
وفي تطور مهم خلال عام 2025، أعلن حزب العمال الكردستاني إنهاء الكفاح المسلح وحل تنظيمه، بينما شهدت تركيا في عام 2026 خطوات تشريعية وسياسية لوضع إطار قانوني لعملية نزع السلاح وإعادة دمج عناصر الحزب، في تحول قد يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الصراع التركي–الكردي، لكنه لا يعني في حد ذاته حسم الملفات الأوسع المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية للأكراد. لذلك يبدو أن المسار التركي يتجه على الأقل في المرحلة الحالية، من الصراع المسلح نحو تسوية داخل الدولة التركية بدلًا من مشروع الانفصال.
كانت القضية الكردية في سوريا قبل عام 2011 مرتبطة بصورة أساسية بالهوية واللغة والحقوق المدنية والسياسية. لكن الحرب السورية غيرت المعادلة بصورة جذرية، حيث تمكنت القوى الكردية من إنشاء إدارة ذاتية في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، مدعومة في مراحل مختلفة بقوة عسكرية كبيرة وبدعم أمريكي في مواجهة تنظيم داعش.
ومع ذلك، لم تتحول الإدارة الذاتية إلى دولة مستقلة أو إقليم معترف به دستوريًا. كما أن تركيا تعتبر بعض القوى العسكرية الكردية في سوريا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني وتهديدًا لأمنها القومي، بينما لم تقبل دمشق بقيام كيان كردي مستقل عن الدولة السورية. وهكذا، فإن التجربة السورية هي الأكثر ارتباطًا بظروف الحرب والتوازنات الدولية، ولذلك تبقى قابلة للتغير مع تغير مواقف القوى الكبرى والإقليمية.
في إيران، شهدت القضية الكردية محطات تاريخية مهمة، أبرزها إعلان جمهورية مهاباد عام 1946، لكنها لم تستمر طويلا ومع ذلك أصبحت رمزًا مهمًا في الذاكرة السياسية الكردية . لكن التجربة الإيرانية لم تتمكن من بناء كيان كردي مستقل مماثل لإقليم كردستان العراق حيث تتعامل طهران مع الحركات الكردية المسلحة والسياسية من منظور أمني وجيوسياسي شديد الحساسية، خصوصًا مع قلقها من انتقال تأثير التجارب الكردية في العراق وسوريا وتركيا إلى الداخل الإيراني. ولهذا بقيت الحركات الكردية الإيرانية أكثر محدودية في قدرتها على تحويل المطالب القومية إلى مشروع مؤسسي واسع.
بذلك تبدو القضية الكردية أمام مفارقة تاريخية واضحة : فالقومية الكردية استطاعت الحفاظ على قدر كبير من وحدتها الرمزية والثقافية والاجتماعية رغم الحدود السياسية، لكنها لم تنجح في إنتاج مشروع سياسي موحد بين الدول الأربع. فاختلاف أنظمة الحكم، وتباين المصالح الاقتصادية والأمنية، وتعدد الأحزاب والحركات الكردية، فضلًا عن رفض الدول الإقليمية لأي مشروع انفصالي عابر للحدود، جعل «كردستان الكبرى» أقرب إلى حلم قومي ورمز للهوية منه إلى مشروع جيوسياسي قابل للتحقق .
ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في قيام دولة كردية موحدة تضم أجزاء من تركيا والعراق وسوريا وإيران، وإنما في استمرار تطور التجارب الكردية داخل كل دولة وفق ظروفها الخاصة، مع اتساع مساحة الحقوق السياسية والثقافية والحكم المحلي واللامركزية، واستمرار الروابط الاجتماعية والثقافية العابرة للحدود. فالمستقبل الكردي قد لا يكون بالضرورة في «دولة واحدة»، وإنما في أشكال متعددة من الاعتراف والحقوق والحكم الذاتي والمشاركة السياسية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين «وحدة الهوية» و«وحدة الدولة»: الأولى استطاعت أن تبقى، أما الثانية فما زالت تصطدم بتوازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.