لماذا لم يقرع جرس الإنذار؟

26 August 2026
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

لا تنهار الاقتصادات بين ليلة وضحاها، ولا تسقط الأنظمة المالية بسبب قرار عابر. فالانهيارات الكبرى تسبقها دائمًا مؤشرات واضحة وأرقام يفترض أن تلتقطها المؤسسات المكلفة بحماية الاستقرار النقدي. وعندما تتجاهل الدولة تلك الإشارات أو تؤجل الاعتراف بها، يتحول الانهيار من احتمال إلى مسألة وقت. 

لبنان لم يكن استثناءً. قبل سنوات من سقوط الليرة وإقفال المصارف، كانت المؤشرات ترسم صورة مقلقة: احتياطات تتراجع، ودين عام يتضخم، وعجز مزمن، وميزان مدفوعات يفقد قدرته على رفد الاقتصاد بالدولار اللازم لتثبيت سعر الصرف. ورغم ذلك، استمرت الرسائل الرسمية تتحدث عن متانة القطاع المصرفي وصلابة الليرة، فيما كانت الأرقام تسير في اتجاه معاكسالسؤال الجوهري لا يبدأ بمن سرق الأموال أو بشرعية الهندسات، بل بما إذا كانت السلطات النقدية تملك المعطيات الكافية لإدراك وصول النموذج إلى حدوده القصوى، ولماذا استمر العمل به. 

بدأت القصة فعليًا مع اتساع الاختلالات بعد 2011. فمنذ 2012 سجل ميزان المدفوعات عجوزات متكررة مع تباطؤ التدفقات نتيجة التطورات الإقليمية. ومع تقلص مصادر الدولار، أصبح الدفاع عن سعر الصرف الثابت أكثر كلفة. فعمد مصرف لبنان عامي 2015 و2016 إلى "الهندسات المالية"؛ عمليات استثنائية لجذب الدولار من المصارف التجارية عبر عوائد مرتفعة وصلت لنحو 13%، تفوق مستويات الفائدة العالمية بكثير

ظاهريًا، بدا المشهد مطمئنًا: استقرت الليرة، مولت الدولة عجزها، وحقت المصارف أرباحًا. لكن خلف هذا المشهد كانت الأرقام تروي قصة مختلفة. فقد بلغت ودائع القطاع الخاص قبيل الأزمة نحو 170 مليار دولار، بينما لم يتجاوز حجم الاقتصاد 52 إلى 55 مليار دولار سنويًا. أي أن الودائع فاقت الناتج المحلي ثلاثة أضعاف، نسبة استثنائية تعكس تضخمًا ماليًا يفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد الثروة. بالتزامن، اقترب الدين العام من 90 مليار دولار (أكثر من 170% من الناتج)، لتصبح لبنان من أكثر دول العالم مديونية. لم تكن هذه أرقامًا مجردة، بل إشارات إنذار تؤكد فقدان النموذج لقابليته للاستمرار

ولم تقتصر الإنذارات على الداخل؛ فمنذ سنوات، نبّه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالات التصنيف بشكل متكرر إلى هشاشة النموذج، واتساع العجز، وارتفاع الدين لمستويات غير مستدامة، مع تحذير صريح بأن تثبيت السعر يتطلب إصلاحات بنيوية عميقة لا إجراءات نقدية مؤقتة. حذرت التقارير من أن الاقتصاد يزداد اعتمادًا على التدفقات الخارجية بدل الإنتاج. رغم وضوح هذه التحذيرات لصناع القرار، لم تتغير السياسات. لم يُخفض العجز بجدية، ولم تُباشر إصلاحات مالية، بل استُخدمت الهندسات لشراء الوقت، متجاهلة حقيقة أن الأزمة لم تعد سيولة عابرة، بل أزمة نموذج يقترب من حافته

كان النموذج بسيطًا في فكرته وخطيرًا في نتائجه: تجتذب المصارف الودائع بالدولار، وتعيد توظيفها لدى المركزي بعوائد مرتفعة، ليستخدمها الأخير لدعم السعر وتمويل الدولة وخدمة الدين. أصبح الاستقرار مرهونًا بتدفق دولارات جديدة لتغطية التزامات قديمة، لا بزيادة الإنتاج. هنا تكمن نقطة التحول: عندما عجز الاقتصاد الحقيقي عن توليد الدولار، لم يعد أمام النظام سوى الرهان على استمرار جذب الودائع، وهو مصدر يزداد هشاشة سنويًا. ولم تكن المشكلة في الرهان على تحسن الظروف فحسب، بل في أن هذه الرهانات لم تصلح يومًا أن تكون أساس سياسة نقدية. فالمنطقة تتجه لعدم اليقين، والطبقة السياسية تؤجل الإصلاحات وتوسع الإنفاق عبر الاستدانة. أما الرهان على نفط وغاز المستقبل، فتحول لوعد سياسي؛ فالثروات غير المنتجة لا تُحتسب موردًا فعليًا، وبناء سياسة عليها يشبه الإنفاق على أموال لم تدخل الخزينة بعد. والأهم، أن تحقق أي رهان لم يكن ليعالج أصل الأزمة البنيوي القائم على استنزاف الاحتياطيات لتمويل عجز هيكلي

لم يكن الوقت مجانيًا؛ فكل سنة تأخير وسّعت الفجوة المالية وأكلت الاحتياطيات ورفعت كلفة المعالجة. هل كانت الهندسات جريمة؟ ليس بالضرورة؛ فالسياسات قد تخطئ وتكون نتائجها كارثية دون أن تشكل جريمة بحد ذاتها. لكن المسألة تتحول عندما يواصل صانع القرار تضخيم الالتزامات مع علمه بعدم قابلية النموذج للاستمرار، أو يحجب معلومات جوهرية، أو يمنح امتيازات استثنائية. عند هذه النقطة ينتقل النقاش من الاقتصاد إلى القانون، وهو محور التحقيقات الجارية.

 أثبتت التجربة أن الأسواق قد تتسامح مع الأخطاء، لكنها لا تتسامح مع إنكار الواقع. لا تؤجل الدول قوانين الاقتصاد إلى ما لا نهاية. عندما يصبح الأمل بديلًا عن التخطيط، والرهان بديلًا عن الإصلاح، والطمأنة بديلًا عن الشفافية، يكون الانهيار نتيجة طبيعية لا مفاجأة. خطر الهندسات لم يكن في فشلها يوم بدأت، بل في نجاحها المؤقت الذي منح شعورًا زائفًا بالأمان وأخّر المواجهة مع الحقيقة. لم تكن الأزمة سيولة، بل انهيارًا شاملاً أصاب الدولة والمصارف والثقة. لذا، قد لا يسأل التاريخ من صمّم الهندسات، بل لماذا استُمرّ بها بينما كانت الأرقام والتحذيرات تصرخ بأن الطريق مسدود؟ ذلك هو جرس الإنذار الذي لم يُقرع في وقته، أو قُرع لكن أحدًا لم يُرد أن يسمعه.