سحر الحكايات في بلاد سومر
من طبائع الأدب الجيد أن كاتبه ينطلق من قاعدة، ويُسدد نحو هدف، ويحمل قولاً ما، إن الجملة الساحرة الأفضل هي الجملة الذي يُبذل فيها جهدٌ كبير. تخيل صياداً في أوائل العصر الحجري في غابة، فرغت جعبته من السهام، لأنه وتر السهم الأخير في قوسه، وشدّه شدّاً مُحكماً في انتظار طريدة، وفجأة يتراءى لهذا الصياد نمر مندفع نحوه، فهل سيصيب هذا الصياد النمر بسهمه الموتور، أم أن على صاحبنا أن يسلم أمره لغريمه، فيصطاد النمر الصياد، إذا ما أخطأت السهم الهدف؟
تأملات في العقل الاقتصادي الصيني
في أوائل التسعينيات، خلال سنوات البيروسترويكا وانهيار الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفياتي، لم يكن التحول إلى اقتصاد السوق حدثاً نظرياً يُقرأ في الكتب، بل فوضى كاملة تُعاش في الشارع. الدولة انسحبت فجأة من دورها، شبكات التوزيع انهارت، والناس تُركوا بين تضخم وانقطاع سلع وانعدام قواعد واضحة. في تلك اللحظة الرمادية، ظهر مشهد صغير لكنه ذو دلالة: تجار صينيون يملأون شوارع موسكو، يبيعون جاكيتات منتفخة وملابس رخيصة وأدوات يومية، وكأنهم يعرفون مسبقاً ما الذي سيحدث.
مفهوم العقاب في المشهد السوري
يمكن الزعم أن كلّ قراءة للمشهد السوريّ اليوم خارج مدار مفهوم (العقاب)، تكاد تقود إلى تفسيرات خاطئة لما جرى ويجري، ولما كان وسيكون.
حين لا تكون العين مريضة
أحيانًا تغدو الأشياء باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن، كان هذا رأي الرسّام الهولندي فنسنت فان غوخ، لكنه على عكس ما قد يبدو، لم يستسلم لهذه البرودة، بل حاول أن يواجهها، فابتكر خطوطًا وألوانًا جديدة غير تلك التي يتعثر بها بصرنا كل يوم.
"مخدرات رقمية"
في عصر الانفجار المعلوماتي الذي نعيشه اليوم، بتنا نواجه مفارقة غريبة؛ فبرغم سهولة الوصول إلى المعرفة، أصبح من السهل جداً الانغماس في محتوى سطحي يختطف انتباهنا ويلهينا عن قضايانا الحقيقية. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد "ترفيه عابر"، بل هو حالة من "الإدمان على التفاهة" باتت تنعكس على كل زاوية من زوايا حياتنا اليومية، حيث يُفضل الكثيرون استهلاك محتوى يفتقر إلى العمق، كأننا نعيش في دوامة من المعلومات "الفارغة" التي تنهك عقولنا وتجعلها تتلاشى تدريجياً.
هل أنصف التاريخ سليم الحص وجورج قرم؟
في زمنٍ لبنانيٍّ صاخب، حيث ارتفعت أصوات الشعبوية فوق لغة الأرقام، وتقدّمت التسويات السياسية على حساب المنطق الاقتصادي، برز اسمان شكّلا استثناءً نادرًا، الرئيس الراحل سليم الحص، والوزير والمفكر الاقتصادي الراحل جورج قرم. كلاهما جمع بين المعرفة الاقتصادية ورؤية رجل الدولة، وكلاهما اختار الوقوف في موقع غير مريح، موقع الدولة قبل الزعامة، والمؤسسة قبل الطائفة، والاقتصاد المنتج قبل الريع السياسي، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أن انهار النموذج الذي حذّرا منه، هو هل أنصفهما التاريخ أم ظلمهما زمنهما؟
نكهات حلب.. تاريخ وهوية ثقافية
ليست شهرة حلب في المطبخ العربي والعالمي وليدة صدفة، ولا مجرد تراكم وصفات شعبية، بل هي حصيلة قرون من التاريخ والتجارة والثقافة التي صهرت الذوق الحلبي في مدرسة طهي قائمة بذاتها. منذ العصور القديمة، شكّلت حلب محطة رئيسية على طرق القوافل، ما أتاح لها تنوعا فريدا في المكونات والتقنيات، انعكس مباشرة على أطباقها التي أصبحت إرثا حضاريا وعلامة هوية ثقافية للمدينة.
الذكاء الاصطناعي.. حقيقة أقل ووهم أكثر
هل تعرفون ما هو أكثر سؤال يطرحه مستخدمو منصة "إكس"، هل هذا حقيقي أم لا؟ هذا السؤال على بساطته، يظهر لك مدى التوظيف الواسع للذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى، وخاصة في الصور والفيديوهات، وبالتالي صارت الحقيقة أبعد والوهم أقرب. من يطرح السؤال المذكور يفكّر قليلاً، أما الذين يقبلون كل ما يعرض عليهم كمسلمات، فإنهم طبقة جديدة من الوهم في ذواتهم، والأمر بالمناسبة ينطبق على بقية المنصات.
مأزق الحداثة: هل أصبح العمر تهمة؟
لماذا يظن الشباب أنهم اخترعوا المعرفة وأن التاريخ بدأ معهم؟، على مر العصور، نشأ صراع الاجيال، الذي اختلف باختلاف البيئة والتربية؛ فكان هناك ابناء يعاندون اهلهم او يتمردون عليهم، اذ ان لكل جيل نظرته الخاصة للحياة. اما اليوم، فلم يعد الخلاف بين الاجيال مجرد فجوة طبيعية او نقاش صحي حول تطور المفاهيم، بل اخذ شكلا منحرفا، وهي حالة استعلاء فجة. جيل اليوم يعتقد، بكل جرأة مكللة بالثقة، ان من سبقه ليس فقط قديم الطراز، بل اقل وعيا واصالة، وكان شيب الراس صار صكا للجهل لا دليلا على تراكم الخبرة.
حين تصنع الشاشة ميزان القوة
أثار تخصيص برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة لموضوع تونسي موجة غضب واسعة في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. لم يكن الغضب موجّهًا فقط إلى مضمون النقاش، بل طال المذيع نفسه، فيصل القاسم، الذي تعرّض لشتائم واتهامات حتى قبل بثّ الحلقة. غير أن هذا التفاعل الانفعالي حجب السؤال الأهم: كيف تُمارَس سلطة الإعلام؟ ومن يملك أدوات التأثير في الفضاء العام؟