حين يغتال الضجيج صوت الحقيقة

16 April 2026
Abaalrous@gmail.com
غازي ابا الروس
تابع الكاتب عبر :

شهد الفضاء الرقمي تحولاً جذرياً في آليات النشر والتلقي؛ فبعد أن كانت "المنتديات" و"الصحف الإلكترونية" تخضع لرقابة صارمة من قِبل هيئات تحرير ومحررين ومشرِفين يمتلكون أدوات الفرز والتدقيق، أصبحنا اليوم أمام فضاء مفتوح، حوّل كل مستخدم إلى "منصة" قائمة بذاتها. هذا التحول، رغم إيجابياته في تعزيز حرية التعبير، أفرز ظاهرة سيكولوجية معقدة يمكن تسميتها بـ "فوضى المجالس الرقمية"، حيث تلاشت الحدود بين النقد المنهجي والتهجم العشوائي.

​في السابق، كانت المادة المنشورة تمر بمراحل من "المراجعة" تضمن حداً أدنى من المصداقية والالتزام بالمعايير الأخلاقية، أما اليوم فقد أصبح "المستخدم الوحيد" ينشر ما يريد وقتما يريد، دون وجود "حارس بوابة" يراجعه أو يصحح أخطاءه.

هذا الغياب للرقابة التحريرية فتح الباب على مصراعيه لانتشار المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة التي تُصاغ بذكاء لتداعب العواطف، مما يجعل من الصعب على القارئ العادي التمييز بين الحقيقة والتزييف، خاصة في ظل غياب المساءلة الفورية عما يتم نشره في تلك المنصات التي لا تعترف بمرجعية علمية أو أدبية واضحة.

​إن المعضلة الحقيقية تكمن في "قسم التعليقات" أو الردود؛ فبمجرد أن يطرح كاتب أو مبدع فكرة ما، يجد نفسه في مواجهة "مدرج" لا يرحم. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين النقد البناء و"التنمر الجماعي"، فالنقد ينطلق من أرضية معرفية يستهدف الفكرة بالتحليل والتمحيص، ويسعى للتطوير. أما ما يحدث في المجالس الرقمية غالباً، فهو هجوم "شخصي" يقوده أحياناً أشخاص قد يفتقرون لأبسط مبادئ الموضوعية، أو مدفوعون بدوافع نفسية كالحقد أو الرغبة في "الاستعراض الرقمي" وحصد الإعجابات على حساب تشويه الآخرين والتقليل من شأن جهودهم.

​هذه البيئة العدائية أفرزت نوعاً من "الإرهاب الفكري" الذي يهاجم المبدعين بضراوة، فالمبدع الذي يفتح مجال الردود يتوقع نقاشاً يثري تجربته، لكنه يُصدم بهجوم كاسح من أشخاص ربما يكونون من (الملاقيف)، وهو مصطلح محلي يطلق على المتطفلين الذين يتدخلون فيما لا يفقهون، مما يولد لديه شعوراً بالإحباط والخذلان. هذا الهجوم لا يفرق بين عالم أو جاهل، فالمساواة الرقمية جعلت صوت الأمي في موضوع ما موازياً لصوت الخبير، مما يضيع الحقيقة في ضجيج الآراء المندفعة وغير المنضبطة.

​إن الانكفاء والعزلة التي يمارسها المبدعون اليوم هي نتيجة طبيعية لتجنب "المقصلة الرقمية"، فنحن أمام معضلة اجتماعية؛ حيث أصبح "الجهل النشط" يطغى بصوته العالي على "المعرفة الهادئة"، مما يهدد جودة المحتوى الثقافي والفكري في مجتمعاتنا، ويجعل من المنصات الرقمية ساحات لتصفية الحسابات بدلاً من كونها نوافذ للتنوير.

​ختاماً، إن ضبط "المجالس الرقمية" لا يتوقف فقط على القوانين والتشريعات، بل يتطلب بناء "وعي نقدي" لدى المستخدم نفسه. يجب أن ندرك أن حرية النشر لا تعني التحرر من المسؤولية الأخلاقية، وأن المساحة المتاحة للرد ليست صكاً مفتوحاً للإساءة أو الاتهام دون دليل. إن حماية المبدعين من "التنمر الجماعي" هي ضرورة حضارية؛ فالمجتمع الذي يترك مبدعيه فريسة للأصوات الحاقدة، يخاطر بفقدان أعظم عقوله التي آثرت السلامة والصمت على مواجهة غوغائية المنصات وفوضى الردود.