هندسة الركام الجيوسياسي
لا يشهد الشرق الأوسط اليوم مجرد صراع حدودي عابر، بل يبدو أننا أمام عملية أعمق يمكن وصفها بـهندسة الركام الجيوسياسي، فما يحدث في طهران وبغداد لا يبدو تكراراً باهتاً لتجارب الماضي، بل أقرب إلى نسخة مطوّرة من استراتيجيات التفكيك التي انتقلت من تحطيم الجيوش الميدانية إلى شلّ الشبكات العصبية والسيادية للدول.
في عام 2003 اعتمد تغيير النظام في العراق على القوة الصلبة وتفكيك مؤسسات الدولة من الداخل، أما في نسخة الصراع الراهنة، فقد تحوّلت الاستراتيجية من التفكيك المادي إلى ما يمكن تسميته "العزل اللوجستي والتقني".
لم تعد القوة تُقاس بحجم الدمار المباشر، بل بمدى القدرة على تحويل الدولة إلى جزيرة معزولة سيبرانياً وملاحياً، وقطع شرايينها التشغيلية عن الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق يتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعقلية مقامر يضع أوراقه على الطاولة، ساعياً لفرض واقع من "السيادة القسرية" ينهي ما تعتبره إسرائيل تهديدات وجودية. ويحظى هذا الاندفاع بدعم من دوائر نافذة في واشنطن ترى في إعادة ترتيب موازين القوة الإقليمية فرصة لإعادة رسم خارطة المصالح وتأمين الممرات التجارية بعيداً عن الابتزاز الجيوسياسي، حتى وإن كان الثمن اضطراباً مؤقتاً في حركة الملاحة العالمية.
في المقابل تدرك طهران أن بقاءها الاستراتيجي قد يعتمد على تحويل ألمها الخاص إلى ألم عالمي، فاستراتيجية "توزيع عبء الصراع" عبر مضيق هرمز لا تمثل مجرد رد دفاعي تقليدي، بل محاولة لجرّ الاقتصاد العالمي إلى قلب الأزمة.
المنطق الإيراني هنا يقوم على توزيع التكلفة، فإذا تعرضت البنية التحتية للنظام لضربات قاسية، فإن التداعيات لن تبقى داخل الحدود الإيرانية، بل ستمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة، مع ارتفاع حاد في كلفة التأمين ضد أخطار الحرب، ما يضع القوى الكبرى أمام معادلة صعبة بين كلفة الاستقرار وكلفة التغيير.
ما نشهده اليوم لا يقتصر على أزمة سياسية أو عسكرية، بل يكشف عن اختلالات بنيوية في المنظومات الأمنية التقليدية أمام تكتيكات الحروب غير المتناظرة، ويمكن تلخيص مسارات هذا التحول في ثلاث اتجاهات رئيسية:
أولاً: شلل الممرات الحيوية
لم تعد السيطرة على البحار تتطلب أساطيل ضخمة، فالألغام البحرية الذكية والطائرات المسيّرة خلقت واقعاً جديداً يعرف في الاستراتيجية العسكرية بإنكار الوصول. في هذا السياق قد يتحول مضيق هرمز أو باب المندب إلى مناطق عالية المخاطر، ليس بسبب الإغلاق العسكري المباشر، بل لأن تكلفة المرور عبرها قد تصبح مغامرة لوجستية باهظة.
ثانياً: أزمة اليقين الاقتصادي
يقوم الاقتصاد العالمي على قدر كبير من اليقين والاستقرار، غير أن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضرب هذا الأساس مباشرة، فارتفاع كلفة التأمين والنقل قد يدفع الشركات العالمية إلى البحث عن مسارات بديلة لسلاسل الإمداد، وهو ما قد يضع المنطقة أمام تحدي ما يمكن تسميته بـالإفلاس التشغيلي.
ثالثاً: انكشاف الهشاشة الأمنية
أظهرت الصدمات الأخيرة أن المظلات الأمنية التقليدية التي صُممت لمواجهة جيوش نظامية تقف عاجزة نسبياً أمام الهجمات السيبرانية والتكتيكات الهجينة، ويعني ذلك أن العديد من أنظمة الحماية المستوردة قد تحتوي على ثغرات بنيوية لا يمكن سدها بالدبلوماسية التقليدية وحدها، بل تتطلب إعادة بناء منظومات الأمن بشكل مستقل.
تمر المنطقة اليوم بمرحلة إعادة هيكلة قسرية تكشف هشاشة الكثير من المفاهيم التقليدية للقوة، ففي عصر الحروب الهجينة لم يعد التفوق العسكري وحده كافياً لضمان البقاء، بل أصبحت القدرة على حماية التدفقات الحيوية، من الطاقة إلى البيانات، جزءاً من تعريف السيادة ذاته.
إن الخروج من هذا النفق لا يكمن في انتظار تسويات دولية هشة، بل في بناء ما يمكن تسميته بالسيادة التشغيلية، أي قدرة الدولة على إبقاء منظوماتها الحيوية عاملة حتى في ظل العواصف الجيوسياسية، ففي عالم يتجه بسرعة نحو الصراعات غير التقليدية، لن يكون السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك القدرة على إبقاء دولته عاملة وسط العاصفة.