لماذا لم يعد التفوق العسكري يُترجم إلى حسم سياسي

14 April 2026
تعد "بي-1بي لانسر" من أسرع القاذفات في سلاح الجو الأميركي (القوات الجوية الأميركية)
تعد "بي-1بي لانسر" من أسرع القاذفات في سلاح الجو الأميركي (القوات الجوية الأميركية)
alhedabi1976@gmail.com
محمد عبدالوهاب الحدابي
تابع الكاتب عبر :

شهد النظام الدولي خلال الجيل الاخير، تحولات عميقة، أعادت تعريف العلاقة بين القوة العسكرية والنتائج السياسية. فبينما ظلّ التفوق العسكري العنصر الحاسم في تشكيل موازين القوى، فإن قدرته على إنتاج مكاسب سياسية نهائية تراجعت بشكل ملحوظ. 

تبرز هذه المفارقة بوضوح في حالات مثل الوضع بين الولايات المتحدة وإيران، و الحرب الروسية على أوكرانيا، وأيضا السلوك الحذر الذي تنتهجه الصين في تعاملها مع ملف تايوان. في جميع هذه الحالات، لا يبدو أن فارق القوة العسكرية قد تُرجم إلى حسم سياسي مريح. 

تطرح هذه الظاهرة سؤالاً: لماذا لم يعد فارق القوة العسكرية، كافية لتحقيق النصر الحاسم؟ في اعتقادي أن الجواب في جملة أسباب منها: "تحول مفهوم النصر"، فلم يعد النصر في الصراعات المعاصرة يُقاس بالسيطرة على الارض و الجو، بل بات يرتبط بقدرة الفاعل على إدارة اليوم التالي وإنتاج نظام مستقر على الارض يحظى بقبول داخلي و خارجي. هذا التحول جعل من "ما بعد الحسم العسكري" مرحلة أكثر تعقيدا من الحسم ذاته. 

ثانيا: ارتفاع كلفة الحسم، لقد أصبحت تكلفة تحقيق نصر كامل — سواء من خلال الاحتلال أو تغيير الأنظمة — تفوق في كثير من الأحيان العائد المتوقع منه. فالتجارب الحديثة أظهرت أن إسقاط الخصم لا يعني السيطرة عليه، بل قد يفتح الباب أمام فوضى تلج منها الجماعات المتطرفة، واستنزاف طويل الأمد، وارتفاع أسهم المنافسين. وثالثا: سهولة فهم وإنتاج التكنولوجيا التي فقدت طابعها الاحتكاري بسبب تفككها إلى أجزاء يمكن لأي طرف الوصول إلى بعضها، دون الحاجة لامتلاك الكل، هذا أدى الى سيولة المعرفة العسكرية، وتراجع كلفتها، و تمكين الفاعلين الأضعف من تطوير أدوات فعالة لتعطيل النصر الشامل. هذا التحول قلّص كثيرا من الفجوة الفعلية في القدرة على التأثير، رغم بقاء الفجوة في الموارد. 

رابعا: تعقيد بيئة الصراع لم تعد الحروب الحديثة ثنائية بين طرفين فقط، بل أصبحت متعددة المستويات، تتداخل فيها القوى الإقليمية و الدولية، إلى جانب الجماعات الصغيرة ذات الأهداف المحدودة. كما تلعب الوسائل الإعلامية و المنظمات الدولية دور خطيرا في مسار الصراع. هذا التعقيد يحوّل الصراع إلى عملية مفتوحة يصعب إنهاؤها بوسائل عسكرية فقط. وخامسا: قيود التصعيد حيث تخضع الدول اليوم لقيود ذاتية تحدّ من قدرتها على الذهاب نحو الحسم الكامل: من آراء الناخبين، و قوانين و دساتير، و تغيرات اجتماعية... هذه القيود الداخلية تجعل من المواجهة الشاملة خيارا عالي الكلفة على السياسي. 

سادسا: تآكل قابلية السيطرة طويلة الأمد اليوم، إن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على المجتمع. فتصاعد النزعات الوطنية، وتطور وسائل المقاومة، و الانكشاف الإعلامي العالمي، كلها عوامل تجعل من السيطرة طويلة الأمد عبئا أكثر منها مكسبا. وفي النهاية، لا تعني هذه التحولات أن القوة العسكرية فقدت أهميتها، بل تشير إلى أنها فقدت قدرتها على العمل بشكل مستقل عن بقية أدوات القوة. فالمعضلة الأساسية في الصراعات المعاصرة لا تكمن في تحقيق التفوق، بل في تحويل هذا التفوق إلى نتائج سياسية مستدامة. وبذلك، يمكن القول إن العالم لم يشهد تراجعا في أهمية القوة، بقدر ما شهد انفصالا متزايدا بين التفوق العسكري والحسم السياسي — وهو تحول يعيد تشكيل طبيعة الصراعات الدولية حاضرا و مستقبلا.