"المغمورون" بين السياسة والتعايش
في أرشيف جريدة الثورة السورية الصادرة عام 1973، يظهر عنوان عريض "سد الفرات… شريان الحياة في الجزيرة السورية"، رافقت العنوان صور لعائلات تبتسم أمام بيوت إسمنتية جديدة، وشعارات عن النهضة الزراعية والتحول التاريخي. كان الخطاب الرسمي يقدّم المشروع على أنه إنجاز حضاري غير مسبوق.
خلف هذه الصور الملمّعة، كان آلاف المواطنين يفرّون من قراهم التي غمرتها مياه البحيرة، تاركين وراءهم أراضي خصبة ومنازل ورثوها أبا عن جد، هؤلاء الذين أُطلق عليهم لاحقًا اسم المغمورين، لم يكونوا أبطال "ثورة تنموية"، بل ضحايا قرار سياسي حمل أبعادا أبعد من مجرد بناء سد.
المغمورون هم سكان أكثر من 60 قرية عربية على ضفاف نهر الفرات، من منبج مرورا بالرقة والطبقة حتى دير الزور. من أبرز هذه القرى الماشيخ، الكسرات، السويدية، الصفصافة، إضافة إلى عشرات التجمعات الصغيرة، غمرت مياه السد هذه القرى تدريجيا، حتى أن بعض الأهالي لم يغادروا منازلهم إلا عندما لامس الماء شبابيكها.
رغم أن أراضيهم كانت تُسقى مباشرة من النهر عبر شبكات الري المعروفة بـ”الرحى”، إلا أن الدولة لم تعوضهم بأراضٍ مماثلة. بل نُقلوا إلى شمال الحسكة، في قرى جديدة أُنشئت على طول الحدود مع شمال سوريا، بين المالكية (ديريك) شرقًا ورأس العين (سري كانيه) غربا.
لا يمكن فهم قضية المغمورين دون العودة إلى وثيقة أمنية أعدها الملازم أول طالب هلال عام1960 بعنوان: دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية.
في هذه الدراسة، التي تُعتبر الأساس النظري لمشروع “الحزام العربي”، أوصى هلال بـ:
تجريد الأكراد من الجنسية السورية (نُفذ عبر إحصاء استثنائي عام 1962).
منعهم من تملك الأراضي.
نقل عرب من مناطق أخرى إلى الشمال الشرقي لتطويق القرى الكردية.
بناء السد منح النظام ذريعة مثالية لتطبيق هذا المخطط. فالمغمورون الذين فقدوا أراضيهم على الفرات، كانوا جاهزين ليُستخدموا كـ"مستوطنين" في قرى جديدة وسط المناطق الكردية.
خلال سنوات قليلة، أنشأت الدولة نحو 40 قرية جديدة على امتداد الحدود. حملت أسماء قومية مثل: العروبة، الوحدة، الثورة، الوطن. على الورق، كانت هذه القرى جزءا من مشروع زراعي طموح. لكن في الواقع، كانت جزءا من سياسة إعادة تشكيل ديموغرافي تستهدف خلق حزام عربي يعزل الأكراد السوريين عن امتدادهم الطبيعي في شمال كردستان.
يقول أحد المغمورين من ريف الرقة، "كان عندنا 200 دونم تُسقى من الفرات مباشرة. ننتج قطنا يكفينا ويزيد. بعد التهجير أعطونا أرضا في قرية جديدة قرب المالكية، لكنها صخرية، لا ماء فيها إلا بالآبار، نحن الخاسر الأكبر". ويضيف شخص أخر من قرية غمرتها المياه قرب الطبقة، "لم نغادر إلا عندما وصلت المياه إلى شبابيك بيوتنا. أرادوا أن نكون جنودا في مشروع الحزام العربي، لكننا كنا أول الضحايا. خسرنا أرضنا وجيرتنا، وفي النهاية لم نكسب شيئًا". هذه الشهادات توضح أن المغمورين لم يكونوا مستفيدين من سياسة النظام، بل مجرد أدوات دُفعت ثمنًا لمخططات سياسية.
من المهم التأكيد أن الأكراد في شمال شرق سوريا، الذين استوطن المغمورون بين قراهم، لم يكونوا يوما أصحاب قرار في تلك السياسات التي فرضها النظام. بل على العكس، كانوا ضحايا موازية للمخطط ذاته: جُرّد عشرات الآلاف منهم من الجنسية عام 1962، وحُرموا من التملك والحقوق الأساسية.
ومع ذلك، لم يُسجل أن الأكراد تعاملوا مع المغمورين كخصوم. وحتى بعد عام 2012، حين سيطرت وحدات حماية الشعب ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية على المنطقة، لم يُطرد المغمورون من الأراضي التي سكنوها، ولم يُعاملوا كغرباء. بل جرى النظر إلى وجودهم على أنه نتيجة قرار سياسي جائر، وأنهم بدورهم ضحايا لسياسات النظام. هذا الوعي الشعبي ساهم في استمرار التعايش بين المكونات، بدل الانزلاق نحو صراع أهلي كان النظام يراهن عليه.
بعد عقود من التهجير والإقصاء، لم ينسَ المغمورون أنهم كانوا أول ضحايا سياسات النظام. وعندما انطلقت شرارة الثورة السورية عام 2011، انضم شباب من بينهم إلى صفوفها، مدفوعين بوعي جديد تشكّل من خلال تجربة الظلم الطويلة. ورغم أن أعداد المشاركين لم تكن كبيرة مقارنة بغيرهم من الفئات الاجتماعية، إلا أن وجودهم كان رمزيا ومؤثرا، رمزيا لأنهم جسّدوا فكرة أن من النظام الذي استخدمهم كأداة في "الحزام العربي"، عادوا اليوم ليقفوا ضده ويهتفوا للحرية، ومؤثرا لأن شهاداتهم عن التهجير والاقتلاع من الأرض ربطت بين الماضي الاستبدادي والواقع الذي ثارت ضده جميع المكونات.
يقول أحد أبناء الجيل الثاني من المغمورين، إن أبيه كان يتحدث دائما عن قريته التي غمرها السد، وكيف خسر كل شيء بسبب قرارات لا يد له فيها، "نحن ورثنا هذا الشعور بالظلم. لذلك، حين انطلقت الثورة، لم نفكر مرتين في أن نكون جزءا منها. فهمنا أن الحرية لا تعني فقط إسقاط النظام، بل تعني أيضا أن لا يُستخدم أي شعب كأداة ضد شعب آخر".
بهذا أثبت المغمورون أن قصتهم لم تتوقف عند حدود التهجير القسري، بل امتدت إلى المشاركة في صياغة مستقبل جديد، حيث الحرية والعدالة، لا الإقصاء والهندسة السكانية، هي ما يوحد الناس.
من بين المغمورين برزت شخصيات اختارت أن تساند النظام وتعمل ضد الأكراد وأحيانا ضد أبناء قراها. ربطت مصيرها بالبعث وببيت الأسد، لكنها اكتشفت لاحقا أن النظام لم يكن وفيًا حتى لمؤيديه، استُخدموا وقت الحاجة، ثم تُركوا لمصيرهم.
بعد أكثر من خمسين عاما يتضح أن مشروع "الحزام العربي" لم يحقق أهدافه بالكامل، نعم تغيّر توزيع السكان، لكن الأكراد بقوا في قراهم، ولم تُمحَ هويتهم. والأهم أن العرب المغمورين لم يتحولوا إلى جدار عازل ضد جيرانهم، بل عاشوا بينهم وتفاعلوا معهم.