أول سفيرة يمنية في واشنطن
في الرابع من أبريل 2026، أدت جميلة علي رجاء اليمين الدستورية لتصبح أول امرأة يمنية تتولى منصب سفير الجمهورية لدى الولايات المتحدة الأميركية، في خطوة تتجاوز بعدها البروتوكولي، وتعكس محاولة يمنية لإعادة صياغة حضورها الدبلوماسي في واحدة من أهم عواصم القرار في العالم. يأتي هذا التعيين في توقيت حساس، حيث تتقاطع الحاجة إلى استعادة الزخم السياسي مع ضرورة إصلاح صورة البعثة اليمنية في الخارج.
تعود العلاقات اليمنية الأميركية إلى عام 1946، حين أُقيمت العلاقات الدبلوماسية في سياق دولي كان يعاد تشكيله بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين ظل اليمن حاضرا في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، خصوصا بسبب موقعه المطل على مضيق باب المندب. ومع توحيد البلاد عام 1990، دخلت العلاقة مرحلة أكثر تعقيدا، جمعت بين التعاون الأمني والدعم التنموي، قبل أن تتأثر بعمق مع اندلاع الحرب في 2015 وسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء.
تعاقب على تمثيل اليمن في واشنطن عدد من السفراء الذين عكسوا تحولات الدولة اليمنية عبر مراحلها المختلفة، من البدايات الدبلوماسية الأولى بعد إقامة العلاقات، مرورا بفترة ما بعد الوحدة، وصولا إلى مرحلة ما بعد 2015. ويُعد عبدالوهاب الحجري من أبرز هؤلاء، إذ شغل المنصب لفترة طويلة منذ أواخر التسعينيات، قبل أن يعود إليه مجددا في 2025، في تجربة تعكس استمرارية النخبة الدبلوماسية التقليدية. ويأتي تعيين جميلة رجاء اليوم تحول لافت، ليس فقط لكونها أول امرأة، بل لكونها تمثل جيلا جديدا وخلفية مهنية مختلفة.
خلال السنوات الماضية، لعبت السفارة اليمنية في واشنطن دورا يتجاوز التمثيل التقليدي، لتكون منصة للدفاع السياسي عن الحكومة اليمنية داخل أروقة الكونغرس والبيت الأبيض. إلا أن هذا الدور تراجع في فترات لاحقة، بفعل أزمات مالية وإدارية انعكست على أدائها، وأضعفت تواصلها مع المواطنين اليمنيين في الولايات المتحدة.
برزت هذه الإشكالية بوضوح خلال فترة غياب السفير السابق عبدالوهاب الحجري عن المشهد الدبلوماسي لفترة طويلة دون توضيح كاف عن السبب. خلال تلك المرحلة الغامضة، وردتني الكثير من الأسئلة، وبصفتي صحفيا يمنيا مقيما في الولايات المتحدة حاولت التواصل مع السفارة لفهم أسباب هذا الغياب. كررت محاولاتي أكثر من مرة، لكنني واجهت إجابات غير واضحة، مما زاد الغموض أكثر. هذه تجربة تعكس فجوة حقيقية بين السفارة وأبناء الوطن في الولايات المتحدة.
تصل جميلة رجاء إلى هذا المنصب بخلفية مختلفة؛ فهي حاصلة على درجة الماجستير في الصحافة من الجامعة الأميركية في القاهرة، ولديها خبرة في العمل مع جهات دولية في ملفات السلام اليمني، إضافة إلى مشاركتها في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013. هذا المسار يمنحها فهما أعمق لأهمية الخطاب الإعلامي في بيئة سياسية معقدة مثل واشنطن، حيث تلعب الرواية دورا محوريا في تشكيل المواقف.
التحديات التي تنتظر السفيرة الجديدة كبيرة جدا، وتبدأ من إعادة تأسيس العلاقات اليمنية الأمريكية على أسس راسخة، وبناء الثقة من جديد مع أعضاء الكونغرس، وتأمين الدعم السياسي للملف اليمني الشائك وتداعياته المتسعة على المنطقة. وفي السياق ذاته، تطفو على السطح مهمة إصلاح العلاقة مع المواطنين اليمنيين المقيمين في أمريكا، التي باتت تطلب تواصلاً أكثر صراحةً وشفافيةً وانفتاحًا، يُعيد بناء الثقة التي تآكلت تدريجيًا على مدار السنوات الماضية.
يحمل هذا التعيين بعدا رمزيا مهما في سياق تمكين المرأة اليمنية، لكنه في جوهره اختبار عملي لقدرة الدبلوماسية اليمنية على صنع التغيير في الولايات المتحدة والعالم. جميلة رجاء لا تمثل فقط سابقة تاريخية، بل تمثل فرصة حقيقية لإعادة تعريف دور السفارة اليمنية في واشنطن.
في لحظة سياسية فارقة، لم يعد التمثيل الرسمي كافيا، بل بات مطلوبا حضور دبلوماسي قوي، قادر على بناء الجسور واستعادة الصوت والحضور اليمني في العالم. وبين رمزية التعيين وثقل التحديات، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة أول سفيرة يمنية في واشنطن على إحداث هذا التحول الدبلوماسي.