آناء الحرب والكتابة

04 June 2026
albrraq444@gmail.com
رافد البَرّاق
تابع الكاتب عبر :

ثلاثة عشر سنة أخذتِ الحربُ منّي، بكلّ ما فيها. مسختني إلى حيوان خامل، وبلا فائدة، وعطّلتني عن الحياة وحوّلتها إلى شاهق أجرد أملس متقعّر لا تصله الغيوم أو المطر أو الأحلام. 

هل يحقّ لي القول: لو لا الحرب لكنت…؟ أو القول: تُعطينا الحرب بالقدر ذاته الذي تسلبنا إياه، ومن لم يدرك هذا بعد فقد جاء متأخرًا وعليه ألّا يتأخّر أكثر ويلقي بنفسه في الهاوية؟ أم هو ادّعاء للتنصل من الندم الفادح على حالة اللافعل والعجز والعمر المتبخّر خلال الحرب التي تشعل الضجيج إلى جانب الخراب والفراغ، هذا الضجيج القادم من كهوف البذاءة النفسيّة ليأخذ ما لم تأخذه هي..؟ ولكن ماذا أبقت لغيرها بالأصل؟

وتمضي الأيام، وتمضي السنون، ولا تمضي الحرب. تختال عاصفة سيئة السمعة هنا، ينطلق حريق غثياني هناك، تصيب القلبَ رصاصةٌ أو قذيفة عبثية من كل مكان.. جائعون وموبؤون ومعتقلون بالآلاف ومشتّتون في السجون الخفيّة، والوطن هو الآخر معتقل في خارطة خفيّة، الوطن السجين، والسجن والسجّان.

نعم، الحرب التي تعيشها بلادي مغايرة لكل حروب العالَم، وتفعل بنا ما لم تفعله أي حرب في الإنسان. رغم ذلك أجدني مترفّعًا، ليس بدافع الاستعلاء أو الخجل أو الشعور بالخزي، عن ذكر اسمها في ثرثرتي عن الحرب.

نحن نعيش في حَمَّام جماعي قذر لا ماء فيه أو مواد تنظيف، وليس له أبواب أو نوافذ. يقول أحدهم عن الحرب. لدرجة ما، عن المكان والواقع، نعم، وأصواتنا الجريئة هي "ضراطنا الجريء"، يعلّق الآخر، ويضيف: نحن الموت في أقسى تجليّاته، فمن يحفر هذا القبر عميقًا لنغرق فيه معًا؟ فيجيب الأول: الجميع نحفره بالأظافر والأسنان والعظام والأحلام الفاشلة.

أسوأ ما تفعله الحرب أنّها تشغلنا عن الحياة، حياتنا خصوصًا، وتغمّسنا في عراكات تافهة مع أنفسنا والآخرين، وتحاصرنا في المناطق الهامشية. وهذه حيلة مشتركة، تخلقها الحرب، ويختلقها الإنسان الغارق فيها، كي لا يبقى موته القائم على مرأى عينيه وقلبه.

العراك مع الفراغ هو عراك من أجل ذاكرة غد بعيد بلا حرب، ومشكوك في قدومه، للفرار من ذكرى الموقف المرجو من الذات في حضور الإرادة المسلوبة، والفرار من سؤال أين كنتَ وماذا فعلتَ آناء الحرب. أي من أجل تأثيث ما أسماه الشاعر الفلسطيني محمود درويش ب "ذاكرة للنسيان".

لا معنى للحرب أبدًا. ولا معنى فيها إلّا لشيئين:

الأوّل هو الفن. فهو يحمل عنك الخراب ويجعلك تحدّق فيه وأنت تبكي وتضحك بسخرية عبقرية في آن. القشّة التي يتشبّث بها الغريق، القشّة الوحيدة التي تسوقه إلى البرّ، ليس سالمًا على كلّ حال، دون أن تسلّمه إلى الغرق لتمضغه الطحالب البحريّة بعد أن تعفّفت عنه عائلات البرّ والبحر. وكلّما كانتِ الحرب أشرس، كانتِ الحاجة إلى الفن أشد.

والشاعر محمد الماغوط كانت تبكيه أغنية لفيروز أو كلمة للشاعر أُنسي الحاج، ولا تبكيه الحرب. كان الماغوط يدرك أن من يريد أن ينجو عليه أن يلجأ إلى الفن، ومن يتعاطى الفن هو فقط من يريد أن ينجو.

الشيء الثاني هو المرأة، امرأة بعينها، كما هي في الحلم والواقع. بكل تأكيد لن تطفئ الحرب، لكنها ستحافظ على شمس قلبك مشتعلة، وينبوع الأمل فيك فائضًا، وإيمانك بذاتك ملتهبًا. وهكذا حرب وامرأة بعينها تعني حياة متوازنة. وعادلة؛ لما لا؟

قد يبدو حبل النجاة هذا، المرأة أقصد، خاصًّا بالرجل وصالحًا له فقط. لا، إنه يصلح للمرأة أيضًا. فرجل بعينه حبل نجاة للمرأة بنفس الدرجة التي امرأة بعينها حبل نجاة للرجل. وليس مبالغة إذا قلت: حبل النجاة لإنسان ما، هو إنسان بعينه.

عندما استيقظت قبل قليل، الثالثة عصرًا، طبعًا نمتُ ساعة واحدة فقط، وربما أقل، كانت حروب أخرى تشتعل في كلّ مكان، والضجيج يملأ العالَم من ألفه إلى يائه. طبول تُقرع، ثكنات تدشّن، متارس تُنصب، خطوط حمراء تُرسم، والمواجهة شرسة.

حاولت معاودة النوم وعجزت. تعلمت عيناي طبعًا غير مهذب من الحرب، كلّما فتحتمها لا يغمُضان إلا بصعوبة موجعة. أطلقت اللعنات تلو اللعنات، غرست وجهي في قاع الغرفة كالنعامة، وكوّمت البطانيات والمخدّات والقذارات المتراكمة في الغرفة منذ أسابيع فوق رأسي وحاولت مرات عديدة. لكن، لا فائدة من الحفر في الفراغ. هذا درس الحرب للإنسان.

من أين تأتي هذه الحروب الصغيرة؟ توجّعت من هذا السؤال، فأنا وحيد تمامًا، ومستلقٍ كمتشرّد بين الزحام، لذلك لا أحتمله. رميت ما عليّ من جبال، نزعت رأسي من القاع، أشعلت سيجارة، وشرعت في الكتابة.

الكتابة هي أسمى أشكال الحروب، حيادية، لا تأخذ منك ولا تمنحك، تتركك وأشياءك مع نفسك تقاتل من أجل ما تريد، شجاعًا ومستميتًا في مقاومة الضجيج والعَبث والموت.

حرب تعطّل انتباهك الفضولي للآخرين، تشلّ الحاجة أو الضرورة للعراك معهم، وتشغلك بنفسك وإنسانيتك لا غير. تضعك في وسط الحياة تمامًا.

إنّها معتركك الحقيقي لأجل الفراغ والذاكرة لا ضدّهما. فيها تستعيد الإرادة المسلوبة، تحلّق حرًّا، ويكون لك موقف ناصع من كلّ شيء، تتذكّره قبل وبعد الشروع بفعل ما.

وهي حرب لا تطفئ الحرب، لا تزيد من حدّتها، لا تنافسها، ولا تنجيك منها في أغلب الأحيان كما يُشاع عنها. فقط تحاوركَ معها وتجعلك تحبّها لتحمل موتك على كتفيك وجراحك وسنواتك المستعملة والفائضة عن الحاجة في جيبك، وتمضي قدمًا نحو حافة العدم بلا خوف أو تردّد أو ندم.

وفي كل الأحوال، وأجملها، تُعاطيك الأرق اللذيذ آناء النوم والصحو، الفرح والحزن، الحرب والسلام، وآناء الخلود والفناء. أي تسلبك قدرتك ومهارتك في النوم، سواءً في الحرب أو في غير الحرب. تفتح عينيك وبصيرتك وكينونتك وصيرورتك لتتأمل نفسك والحياة من نوافذ كثيرة وواسعة، وفيها، دائمًا هناك معنى لكل شيء.

كتبتُ وكتبتُ، ذبتُ على شكل كلمات لا تصلح لأن تسمّى. انتهيت ولا زلتُ في قاع الهاوية، ولا زال حوالي يعجّ بالحرب والخراب والفراغ، لكنني تخلّصت من الأسباب التي كانت تحكّ دمي وجلدي وتدفعني للعراكات التافهة جدًا، وتشغلني عن تأملي وتأمل الحياة.

إذن أنا بخير الآن، وسأكون بخير حتى وقت لاحق من اليوم. إذن أنا محصّن من الحرب، فلن تؤذيني وإن كانت أقرب إلي من حبل الوريد. إذن سأنهض سعيدًا، وأقول للكتابة: شكرًا.