اقتصاد الحرب في عدن
عدن لا تنهار بالطريقة التقليدية، المدينة ما تزال مزدحمة، والأسواق تعمل، والأموال تتحرك، والبناء مستمر. لكن خلف هذه الحركة، يتوسع اقتصاد كامل يعيش على تعطل الدولة وتآكل الخدمات وانخفاض قدرة الناس على الاحتمال.
في السنوات الأخيرة، لم تنكمش الأنشطة المرتبطة بالأزمات، بل أصبحت من أكثر القطاعات قدرة على النمو. الصرافة، الطاقة البديلة، الوساطة، الجبايات، والخدمات المرتفعة الكلفة، جميعها توسعت مع كل خطوة إضافية في تراجع المؤسسات.
المدينة لا تتوقف عن الحركة، لكنها تستهلك نفسها وهي تتحرك، هذا التحول لم ينشأ داخل فراغ محلي فقط، بل داخل اقتصاد فقد جزءا كبيرا من موارده السيادية وتدفقاته الخارجية، ما جعل عدن أكثر هشاشة أمام صعود شبكات الربح السريع.
السؤال الحقيقي هنا لا يتعلق بسبب تعثر المدينة، بل بطبيعة المصالح التي تشكلت داخل هذا التعثر، وأصبحت ترى في استمرار الهشاشة فرصة اقتصادية أكثر من كونها أزمة يجب إنهاؤها.
في عدن، لا تتحرك الأسعار وفق منطق اقتصادي مستقر يمكن التنبؤ به، بل وفق درجة التعطل نفسها. كل أزمة تفتح دورة أرباح جديدة، انقطاع الكهرباء يرفع الطلب على الطاقة البديلة، انهيار العملة يوسع سوق المضاربة، تعثر الخدمات يخلق أسواقا موازية للنقل والمياه والاتصالات، وضعف الرقابة يرفع كلفة كل معاملة اقتصادية تقريبا.
النتيجة أن جزءا متزايدا من النشاط الاقتصادي لم يعد مرتبطا بإنتاج قيمة مستقرة، بل بإدارة النقص وإعادة بيع الخدمات بصورة أكثر كلفة، ومع الوقت، توسعت الأنشطة القادرة على تحقيق أرباح سريعة داخل بيئة مضطربة، بينما تراجعت قدرة القطاعات الإنتاجية على المنافسة أو الاستمرار. الاقتصاد هنا لا يعمل رغم الأزمة، بل يتحرك من خلالها.
قبل الحرب، كانت الوظيفة العامة رغم ضعفها، توفر حدًا أدنى من الاستقرار يسمح ببقاء شريحة واسعة داخل الطبقة الوسطى، اليوم فقد الراتب هذه الوظيفة بالكامل تقريبًا. المشكلة لم تعد في انخفاض الأجور وحدها، بل في الانفصال الكامل بين الدخل وكلفة الحياة داخل المدينة. الموظف الذي يعتمد على راتب ثابت أصبح الطرف الأضعف داخل السوق، لأن الأسعار تُعاد صياغتها باستمرار وفق الدولار والندرة وتقلبات السوق، بينما يبقى دخله جامدًا إلى حد كبير.
في المقابل، توسعت الأنشطة التي تعتمد على السرعة لا الاستقرار؛ المضاربة، الوساطة، التحويلات، والأنشطة المرتبطة بالتقلبات اليومية. وبهذا، لم يعد التفاوت الحقيقي بين غني وفقير فقط، بل بين من يعيش داخل اقتصاد ثابت يتآكل باستمرار، ومن يتحرك داخل اقتصاد قادر على تحويل الأزمات نفسها إلى مصدر دخل.
في المدن الطبيعية، يفترض أن يؤدي تراجع الخدمات إلى ضغط اجتماعي يدفع نحو الإصلاح. في عدن حدث العكس تقريبا. كل خدمة متعثرة خلقت حولها سوقا خاصة بها. الكهرباء تحولت إلى تجارة مستقلة، والمياه إلى نشاط يومي مرتفع الكلفة، وحتى النقل والاتصالات توسعت داخلهما مساحات غير منظمة تحقق أرباحًا أكبر كلما ازداد التعطل، ومع الوقت، بدأت أجزاء من السوق تتكيف مع غياب الدولة أكثر من تكيفها مع وجودها.
ليس لأن الفوضى أكثر كفاءة، بل لأنها أكثر ربحية لفئات واسعة نشأت مصالحها داخل هذا الشكل من الاقتصاد. هكذا تحول التعطل من حالة مؤقتة إلى جزء من طريقة عمل السوق نفسه.
ومع ذلك، لا يبدو هذا النموذج مستقرًا بالكامل. فكل دورة ارتفاع جديدة في الأسعار تُضعف القدرة الشرائية التي يقوم عليها السوق نفسه، فيما تتحول تحويلات المغتربين تدريجيًا إلى شبكة الأمان الأخيرة التي تمنع أجزاء واسعة من المدينة من السقوط الكامل. النتيجة أن عدن تتحرك داخل اقتصاد يربح من الأزمة، لكنه يستهلك قاعدته الاجتماعية باستمرار.
في المدن التي تتحرك داخل دورة اقتصادية مستقرة، ترتبط قيمة الأرض والموقع والخدمات بالتوسع العمراني والإنتاج وفرص العمل، أما في عدن فقد تحولت الأراضي والعقارات تدريجيًا إلى واحدة من أهم مساحات حفظ القيمة داخل اقتصاد مضطرب يفتقد الاستقرار النقدي والاستثماري.
الأراضي، والسواحل، والمواقع الحيوية، دخلت جميعها في دورة مضاربة سريعة، حيث لم تعد القيمة مرتبطة بما يمكن أن تنتجه المدينة، بل بما يمكن بيعه منها الآن.
ومع اتساع اقتصاد الحرب، بدأت أموال المضاربة والجبايات والأنشطة السريعة تتجه نحو العقار بوصفه المساحة الأكثر أمانًا لإعادة تدوير الأرباح أو الهروب من تآكل العملة.
ورغم اضطراب السوق العقارية وتراجع الطلب الحقيقي في فترات متقطعة، بقيت الأراضي والعقار أحد أهم مخازن القيمة داخل اقتصاد يفتقد البدائل المستقرة.
ولهذا، لم تعد الأبراج الجديدة تعكس بالضرورة نموًا اقتصاديًا حقيقيًا، بقدر ما تعكس انتقال الأموال من اقتصاد الأزمة إلى الإسمنت.
عدن تتوسع في البيع أكثر مما تتوسع في البناء، وكلما ازدادت الفوضى، اتسعت الأنشطة المرتبطة بالمضاربة والتسييل السريع، بينما تراجعت المساحات المرتبطة بالإنتاج طويل الأجل أو التنمية المستقرة. في النهاية، تبدو المدينة أحيانًا وكأنها تؤجل سقوطها ببيع أجزائها بالتقسيط.
أخطر ما يحدث في المدينة ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل تحول الحياة الطبيعية نفسها إلى عبء اقتصادي متصاعد. الإيجارات ترتفع، الخدمات تتآكل، الوظائف تفقد قيمتها، والقدرة على التخطيط للمستقبل تصبح أضعف مع كل دورة انهيار جديدة، لهذا لم تعد عدن تخسر سكانها عبر الهجرة وحدها، بل عبر تآكل قدرتهم على البقاء داخلها أصلًا، المدينة تتسع للأسواق أكثر مما تتسع للناس، وكلما توسع اقتصاد الأزمة، أصبحت الفئات المرتبطة بالإنتاج والعمل الثابت أقل قدرة على الاستمرار، مقابل صعود أنشطة تعيش بالكامل على التقلب والندرة والهشاشة.
ما يحدث في عدن لم يعد مجرد فشل اقتصادي عابر، بل تحول تدريجي في طبيعة السوق نفسها. هناك اقتصاد نما فوق التعطل، وتعلم كيف يحول غياب الخدمات وضعف الدولة وتآكل العملة إلى مصادر ربح مستقرة نسبيًا، الأزمة هنا ليست مجرد نتيجة لانهيار قائم، بل بيئة كاملة أعادت تشكيل المصالح والأنشطة الاقتصادية داخل المدينة. هنا السؤال لم يعد من يملك عدن فقط، بل من الذي أصبحت مصلحته مرتبطة ببقائها على هذه الحال.