أوروبا وإسرائيل بين الشراكة والقطيعة
العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تظل معقّدة ومتعددة الأبعاد، فهي تقوم على تعاون اقتصادي وعلمي وثيق من جهة، وعلى توترات سياسية وأخلاقية مرتبطة بالقضية الفلسطينية من جهة أخرى.
منذ توقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، أصبح الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، حيث يشكل نحو ثلث وارداتها وربع صادراتها، إضافة إلى شراكات واسعة في البحث العلمي والبيئة والنقل ضمن برامج مثل "هورايزن" (Horizon)، ورغم ذلك، يضع الاتحاد الأوروبي حدودا واضحة للتعاون، إذ يرفض الاعتراف بالمستوطنات، ويشترط التزام إسرائيل بالقانون الدولي وحقوق الإنسان لحماية مسار حل الدولتين.
هذه الازدواجية بين المنفعة الاقتصادية والاشتراط السياسي هي جوهر العلاقة التي تناولها الباحث جورجيو جوميل عام 2016، حيث وصفها بأنها علاقة محكومة بالثقة المفقودة: الأوروبيون يرون إسرائيل ماضية في طريق الاحتلال الدائم وإنكار الحقوق الفلسطينية، فيما يرى الإسرائيليون أوروبا منحازة ومعادية، إلى حدّ اتهامها أحيانا بمعاداة السامية.
بعد عام 2017 أخذت هذه العلاقة أبعادا أكثر حدة، التوسع الاستيطاني الإسرائيلي بلغ مستويات غير مسبوقة منذ أوسلو مع اعتماد خطط آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية واعتراف رسمي بمستوطنات جديدة، وهو ما اعتبرته بروكسل خطوة خطيرة تهدد حل الدولتين.
هذا التصعيد ترافق مع دعوات متزايدة داخل أوروبا لفرض قيود على التجارة مع المستوطنات، بل ومطالبات من منظمات حقوقية بحظر شامل للتعاملات التجارية معها، كما اقترحت المفوضية الأوروبية في 2025 تعليق بعض الامتيازات التجارية المنصوص عليها في اتفاقية الشراكة بسبب ما وصفته بعدم التزام إسرائيل بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، وطرحت كذلك عقوبات محدودة على وزراء إسرائيليين متهمين بدعم الاستيطان أو التحريض.
إلى جانب ذلك، برزت تحولات لافتة في الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية تمثلت في اعتراف عدة دول أوروبية بالدولة الفلسطينية، ففي مايو 2024 أعلنت إسبانيا وإيرلندا والنرويج اعترافها الرسمي بفلسطين، ثم لحقت بها سلوفينيا في يونيو من العام نفسه، وفي سبتمبر 2025 اتسع نطاق الاعتراف ليشمل بريطانيا وفرنسا ولوكسمبورغ وبلجيكا ومالطا وأندورا وموناكو، ليشكل ذلك أكبر دفعة أوروبية جماعية في اتجاه الاعتراف بفلسطين منذ عقود.
هذا التطور عكس ضيقا متزايدا في العواصم الأوروبية من استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ورغبة في ممارسة ضغط سياسي وقانوني لدفع مسار حل الدولتين.
الحرب في غزة بعد هجمات أكتوبر 2023 شكلت نقطة تحوّل حاسمة في هذا السياق، إذ صدمت صور الدمار وأعداد الضحايا المدنيين الرأي العام الأوروبي، وأطلقت موجة احتجاجات وضغوط شعبية غير مسبوقة على الحكومات. هذه الضغوط جعلت كثيرا من الدول الأوروبية ترى أن مجرد بيانات الإدانة لم تعد كافية، وأن الاعتراف بفلسطين بات خطوة سياسية ورمزية ضرورية لحماية حل الدولتين.
يمكن القول أن الحرب سرعت الاعترافات الأوروبية، إذ باتت العواصم الأوروبية تعتبر أن الاعتراف بفلسطين أداة ضغط على إسرائيل ورسالة دعم للفلسطينيين في محاولة لإنقاذ فرص السلام التي تكاد تتبخر تحت وطأة الاستيطان والتصعيد العسكري.
رغم ذلك لا يزال التعاون العلمي والتكنولوجي قائما، إذ تشارك إسرائيل في برامج الاتحاد مثل Horizon Europe، لكن مع مراقبة متزايدة لمشاريع قد تُستخدم لأغراض عسكرية أو يُشتبه بأنها مرتبطة بانتهاكات حقوقية.
الاتحاد الأوروبي يواجه في هذه العلاقة معضلة حقيقية: من جهة يسعى للحفاظ على شراكاته الاقتصادية والأمنية مع إسرائيل، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطا داخلية وخارجية لاحترام التزاماته بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
الخلافات داخل الاتحاد نفسه تزيد المشهد تعقيدا، فبعض الدول تطالب بموقف صارم وعقوبات، بينما دول أخرى تفضل الحوار والحفاظ على قنوات التعاون. يمكن القول إن ما بعد 2017 يمثل مرحلة انتقالية نحو علاقة أكثر توترا وحساسية، حيث باتت بروكسل أكثر استعدادا لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية إذا استمرت إسرائيل في سياساتها الحالية، في حين تراهن تل أبيب على قوة تحالفاتها مع الولايات المتحدة ودول أوروبية متعاطفة لتخفيف وطأة الضغوط.
مع ذلك، يبقى الأفق مفتوحا بين احتمال التصعيد وصولا إلى عقوبات أوسع، واحتمال البحث عن حلول وسط إذا ما حدث تحول في السياسات الإسرائيلية أو توصل الطرفين إلى تسوية سياسية تضع حدا للاحتلال المستمر وإقامة دولة فلسطينية على حدود يونيو 1967.