التفاوض على شروط النفوذ الأمريكي
خلال العام الأول من ولايته الثانية، بدت أجندة الرئيس دونالد ترمب السياسية متفرقة لكنها لافتة للنظر. فعلى الصعيد الداخلي رُفعت الرسوم الجمركية إلى مستويات قياسية مستهدفة اتفاقيات التجارة الحرة مع العديد من البلدان، وضُغط على المصنّعين الأمريكيين الكبار لنقل مصانعهم إلى داخل الولايات المتحدة، وطرحت قرارات تنفيذية لتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب في إشارة صريحة لإعادة تعريف السياسة العسكرية للولايات المتحدة.
على الصعيد الخارجي فقد برزت عدة قضايا حاسمة، فعلى سبيل المثال تفاوضت الولايات المتحدة مع أوكرانيا بشأن الموارد المعدنية مقابل الدعم السياسي، وجددت إصرارها على ضم غرينلاند متحدية العلاقات الأمريكية الأوروبية العميقة والمترابطة من خلال حلف شمال الأطلسي، واتخذت موقفاً تصادمياً صريحاً تجاه فنزويلا من خلال الإطاحة بنيكولاس مادورو وسعيها للسيطرة على احتياطي النفط الأكبر في العالم.
تعامل معظم المحللين مع هذه التحركات بمعزل عن بعضها البعض. بل وتمَّ قراءتها بعين نقد لعجرفة ترمب السياسية. ومع ذلك أرى أنَّ قراءة هذه الأحداث مجتمعة، بعد انقضاء السنة الأولى لولاية ترمب الثانية، قد يكشف عن رؤية أكثر عمقاً لهيكلة السياسة الأمريكية لا لسياسة ترمب بحد ذاته، فهذه الإجراءات لا يمكن اعتبارها نزوات شخصية أو استعراض شعبوي من رئيس أمريكي وحسب.
الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وليست مجرد مسرح للاندفاعات. ورؤساء الولايات المتحدة لا يتخذون قراراتهم الاستراتيجية بمعزل عن غيرها، بل يختارونها من بين مجموعة من البدائل التي تصيغها البيروقراطيات والمصالح الراسخة والضغوط الهيكلية. وبناءً على ذلك، يمكن القول أنَّ ما نشهده ليس سلسلة من الاستفزازات المتفرقة، بل سياسة أمريكية تسير وفق خط مدروس ومتسلسل. ومع أخذ هذه الفرضية بعين الاعتبار يبرز السؤال التالي؛ لماذا تقوم الولايات المتحدة نفسها بخرق مجمل القواعد التي صاغته بنفسها بعد الحرب العالمية الثانية؟ هل الموضوع مرتبط بالاقتصاد وحده أم يمتد إلى ما أبعد من ذلك؟.
من المعلوم أنَّ الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ساهمت في إنشاء نظام دولي قائم على أهم منظمة دولية آلا وهي الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسية. وطوال هذه الفترة ساهمت ودعمت العديد من الهيئات والمنظمات الدولية، الأمر الذي أعطى هذه الهيئات الشرعية والاعتراف، واكسب الولايات المتحدة الاحترام والثقة المتبادلة مع الأطراف. ومع ذلك، شهدت الفترة الماضية العديد من الأفعال المناقضة للسياسة المعروفة للولايات المتحدة كان آخرها توقيع الرئيس ترمب على الانسحاب من 66 هيئة ومنظمة دولة بينها 31 أممية.
في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى" يجادل بول كينيدي بأنَّ الدول العظمى عندما تتوسع التزاماتها الخارجية بوتيرة أسرع من قدرة اقتصادها الإنتاجي على استيعابها، فإنَّ النتيجة تكون إرهاق إمبراطوري مفرط. تتضاعف فيه عدد القوات العسكرية المنتشرة، وتكثر المسؤوليات، وترتفع التكاليف، في حين يبقى الاقتصاد الأساسي عاجزاً عن مواكبة هذا التطور. وعند هذه النقطة تحديداً، تتوقف القوّة عن كونها ميزة للدول العظمى، وتصبح بدلاً من ذلك عبئاً هيكلياً على المدى الطويل.
ولتأكيد هذه الحجة نجد في التاريخ أمثلة كثيرة امتدت بدءاً من الصين في عهد أسرة مينغ وصولاً إلى الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر. فالصين على سبيل المثال امتلكت في عهد أسرة مينغ قدرات عسكرية بحرية هائلة، لكن قوتها سرعان ما تراجعت بعد فشلها في تحويل قوتها إلى وجود اقتصادي مستدام. وكذلك توسعت الإمبراطورية العثمانية عسكرياً حتى وصلت إلى فيننا، لكنها عانت في الحفاظ على سلطنتها نتيجة عدم تُطوير قاعدة إنتاجية قادرة على دعم هذا التوسع. وكذلك مكّنت الهيمنة البحرية والمالية لبريطانيا من السيطرة على التجارة العالمية وبناء إمبراطورية شاسعة. ومع ذلك تراجعت بسبب عدم تطوير قدراتها الاقتصادية بعد ظهور قوى صناعية جديدة في أوروبا. وفي جميع هذه الحالات لم ينبع التراجع من ضعف عسكري مباشر، بل من سوء إدارة قدرات الدولة الاقتصادية في نظام دولي سريع التغير.
وإذا طبقنا هذا المنطق على السلوك الأمريكي، فسنجد أنَّ الولايات المتحدة تواجه تحدياً مشابهاً لهذه الحالات التاريخية أمام العالم، وخصوصاً الصين، ولكن مع فارق جوهري واحد: فقد فضّل نهج ترمب خلال العام الماضي المواجهة المفاجئة على الاستمرار بالتكيف التدريجي. ومن الواضح أنَّ هذه المواجهة لم تكن اندفاعاً عشوائياً. إذ أنَّ فرض الرسوم الجمركية والضغط على الشركات لإعادة التصنيع لم تكن مجرد شعارات حملة ترامبية، بل عكست محاولة لإعادة بناء قاعدة إنتاجية تآكلت بفعل عقود من العولمة المالية، والآثار المالية والاستراتيجية للتدخلات العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير السياسة الأمريكية الأخيرة بالمحاولة للعودة إلى الأساس المادي للنفوذ المتمثل بالتصنيع، وضمان عمل سلاسل الإمداد، والمعادن والطاقة بغية إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي الداخلي والخارجي معاً.
ومع ذلك، فإنَّ هذه ليست قصة اقتصاد فقط. فالنظام الذي قادته الولايات المتحدة بعد 1945 لم يُبنَ بالقوة الصلبة وحدها، بل بمزيج من المؤسسات الدولية والقواعد والتحالفات، بحيث وثقت الدول الحليفة أنَّ انضمامها إلى جانب القوة العظمى لا يجعلها رهينة تقلبات توازن القوى. وهو ما أنجح عمل منظمة الأمم المتحدة على حفظ العالم من حرب عالمية ثالثة خلال ما يزيد عن الثمانين عاماً. وكذلك عدم الالتزام بهذا النظام هو ما أفشل خطوات العالم في منع تحقيق حرب عالمية ثانية في عام 1914 بعد الانسحاب الأمريكي من عصبة الأمم.
واليوم عندما تتحول القوة العظمى إلى اتباع مفاوضات صِفرية تجاه حلفائها كما هو الأمر في السياسة المتبعة تجاه جرينلاند أو اتجاه الاتحاد الأوروبي أو حتى الانسحاب من الهيئات التابعة للأمم المتحدة، فإنَّ الضمانات حينها ستتحول إلى عقود قصيرة الأجل، وسرعان ما سيتآكل معها العنصر عنصر الثقة الصانع للنفوذ.
هنا يظهر مأزق ترمب الحقيقي. فإذا خفّض الالتزامات فجأة، فإنَّه يخاطر بتفكيك شبكة التحالفات التي تضاعف القوة الأمريكية وتمنحها عمقاً عالمياً. وإذا أبقاها كاملة دون إعادة بناء القاعدة الإنتاجية، فإنَّ النزيف البنيوي سيستمر. وما يفعله ترمب حتى الآن يوحي بمحاولة الجمع بين المسارين: تخفيف كلفة الالتزام من جهة، وفرض شروط قسرية على الحلفاء والخصوم من جهة أخرى. وعلى الرغم من أنَّ هذا قد يُنتج مكاسب قصيرة، لكنه يفتح باباً طويلاً من ردود الفعل المتمثلة بتحوط الحلفاء، واندفاع الخصوم للبحث عن بدائل أمنية واستراتيجية لحماية نفسها. وحينها، ستتحوّل العلاقات الدولية إلى مزاد نفوذ بدل قواعد توازن وتعاون.
ببساطة إنَّ ما نراه ليس خروجاً مجانياً على قواعد النظام الدولي بقدر ما هو محاولة لإعادة كتابة عقد الهيمنة الأمريكية بشروط أكثر صراحة وخشونة. لكن السؤال الذي سيحسم المرحلة ليس إذا ما كانت الولايات المتحدة قادرة على استعادة قاعدتها الإنتاجية، بل هل تستطيع فعل ذلك دون أن تحوّل النظام الذي قادته إلى ساحة ابتزاز متبادل تُسرّع تفككه، وتُقرّب لحظة الصدام.
اعتقد أنَّ الولايات المتحدة نفسها تسير وفق خطة تحوط بديلة تحسباً لفشل مشروعها. فالخطوة الأخيرة التي فعلتها في فنزويلا جعلها متحكماً بأكبر احتياطي نفط في العالم، وأكبر منجم ذهب غير مستغل في نصف الكرة الغربي، والهيمنة التي تسعى للاستحواذ عليها في القارة الأمريكية وغرينلاند، وكذلك نقل الشركات إلى القارة الأمريكية يدل على أنَّ السياسة الأمريكية تتحضر لمرحلة الاكتفاء الذاتي في حال حدوث حرب كبرى، لا مجرد انعاش اقتصاد أمريكي متهالك.
وفي كلتا الحالتين، ترتفع قيمة سوء التقدير. فتحولات توازن القوى عبر التاريخ تثبت أنَّها لم تمر بتكاليف صغيرة. وأنَّ الحروب الكبرى كثيراً لا تبدأ بقرار واعٍ بالحرب، بل بسلسلة رهانات صغيرة يظن كل طرف أنها مدروسة، ثم يتبيّن أنها كانت رهانات على أعصاب نظام دولي يتغير تحت أقدام الجميع.