حزب الله إلى النهاية أم ماذا؟
في التاريخ السياسي، لا تسقط الكيانات فجأة، بل تصل إلى لحظة تصبح فيها عبئا على الدولة والمجتمع أكثر من كونها عنصر قوة، هذه اللحظة هي ما يعيشه لبنان اليوم، حيث لم يعد النقاش يدور حول دور حزب الله فحسب، بل حول مستقبل الدولة اللبنانية نفسها: هل يمكن أن تستعيد وحدتها واستقرارها في ظل وجود سلاح خارج إطارها؟
لقد نشأ حزب الله في سياق تاريخي مختلف، كحركة مقاومة في زمن احتلال وصراعات مفتوحة، غير أن تطوره لاحقا إلى قوة عسكرية وسياسية موازية للدولة، جعله يتحول من عنصر دعم إلى عامل خلل عميق في بنية الدولة اللبنانية، فالدولة التي لا تحتكر قرار السلم والحرب هي دولة مهددة في جوهرها، مهما كانت مؤسساتها قائمة شكليا.
المشكلة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أزمة سيادة شاملة، فوجود سلاح خارج الشرعية يعني وجود قرارين داخل بلد واحد: قرار الدولة، وقرار موازٍ قادر على فرض واقع مختلف. هذه الازدواجية هي التي أدخلت لبنان في دائرة عدم الاستقرار، وجعلته ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية، يدفع ثمنها المواطن اللبناني أولا وأخيرا.
ولعل الأخطر أن هذا الواقع لم يقتصر على الأمن، بل امتد ليضرب الاقتصاد اللبناني في الصميم، فالعقوبات الدولية، وتراجع الثقة، وانهيار العملة، كلها عوامل تفاقمت في ظل غياب سيادة واضحة للدولة. لا يمكن لأي اقتصاد أن يتعافى في بيئة سياسية منقسمة، ولا يمكن لأي مستثمر أن يغامر في بلد لا يملك قرار نفسه.
من هنا، لم يعد حزب الله مجرد فاعل سياسي، بل أصبح أحد أبرز أسباب الأزمة المركبة التي يعيشها لبنان: أزمة سيادة، وأزمة اقتصاد، وأزمة وحدة وطنية. إذ إن استمرار وجوده كقوة مستقلة يعمّق الانقسام الداخلي ويجعل فكرة الدولة الجامعة أكثر هشاشة. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن نزع سلاح حزب الله ضرورة وطنية، لا خيارا سياسيا. فبناء الدولة لا يمكن أن يتم بوجود قوة تنافسها في السيادة. والوحدة اللبنانية لا يمكن أن تستقر في ظل ازدواجية القرار.
إذا أردنا قراءة المشهد بعمق أكبر، فلا بد من المقارنة بين مسارين إقليميين كان لهما أثر مباشر في لبنان: المسار العربي بقيادة السعودية، والمسار الإيراني عبر حزب الله.
لقد لعبت المملكة العربية السعودية دورا تاريخيا في دعم وحدة لبنان واستقراره، وكان أبرز تجليات هذا الدور اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، ووضع أسس الدولة الحديثة، وأعاد التوازن السياسي بين مكونات المجتمع اللبناني. كان ذلك تدخلا عربيا هدفه جمع اللبنانيين تحت مظلة الدولة، وتعزيز مفهوم الشراكة الوطنية، وبناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات.
في المقابل، جاء الدور الإيراني عبر دعم حزب الله، ليؤسس لواقع مغاير تماما. فبدل تعزيز الدولة، تم تكريس قوة موازية لها. وبدل دعم الوحدة الوطنية، تعمق الانقسام. وبدل أن يكون السلاح في خدمة الدولة أصبح خارجها، وهنا يظهر التباين الجوهري بين مشروعين: مشروع يسعى لبناء الدولة، ومشروع يكرّس ازدواجيتها.
إن المقارنة هنا ليست مجرد قراءة سياسية، بل هي استنتاج واقعي لما آلت إليه الأمور. فحين تدخلت السعودية، كان الهدف إنهاء الحرب وبناء الدولة. وحين تعمق النفوذ الإيراني عبر حزب الله، دخل لبنان في دوامة أزمات متلاحقة: سياسية، وأمنية، واقتصادية.
وهنا يبرز السؤال بوضوح: ماذا كانت النتيجة؟ وحدة وطنية برعاية عربية، أم انقسام مزمن في ظل سلاح خارج الدولة؟ إن الإجابة يراها اللبنانيون في واقعهم اليومي، فالأزمة التي يعيشها لبنان لم تعد مجرد أزمة عابرة، بل أزمة بنيوية تمس كل جوانب الحياة. وهذا ما يجعل مسألة سلاح حزب الله ليست قضية فئة أو تيار، بل قضية وطن بأكمله، أما عن مستقبل الحزب، فإن الحديث عن “النهاية” لا يعني اختفاءه المفاجئ، بل يعني نهاية دوره كقوة فوق الدولة. فالتاريخ السياسي يشير إلى أن الكيانات المشابهة تمر بمراحل: التآكل، ثم العزلة، ثم التحول أو التفكك.
حزب الله اليوم يقف في مرحلة التآكل والعزلة معا، لم يعد قادرا على فرض معادلاته كما في السابق، وفي الوقت نفسه يواجه ضغوطا داخلية وخارجية متزايدة، وهذا ما قد يدفعه في النهاية إلى أحد خيارين: إما الاندماج في الدولة بشروط جديدة، أو الاستمرار في المواجهة بما يحمله ذلك من مخاطر أكبر، وفي كلتا الحالتين، فإن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكنا. لأن كلفة بقاء الأزمة أصبحت أعلى بكثير من كلفة التغيير.
إن لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يستعيد دولته وسيادته ووحدته، أو أن يبقى أسير ازدواجية أنهكته لعقود، ولا يمكن تحقيق الخيار الأول دون معالجة جذرية لمسألة السلاح خارج الدولة. حزب الله إلى النهاية أم ماذا؟ الإجابة الأقرب اليوم إلى نهاية الدور الذي تجاوز الدولة، وبداية مرحلة جديدة تفرضها ضرورة إنقاذ لبنان، وإعادة الاعتبار لوحدته وسيادته.