هرمز مفترق طرق بين ترمب والأوروبيين
تشهد العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والقادة الأوروبيين في الناتو والاتحاد الأوروبي مرحلة من التوتر غير المسبوق، حيث تحولت الخلافات من مجرد تصريحات سياسية إلى مواجهات جيوسياسية واقتصادية مباشرة. وجاءت أزمة تأمين مضيق هرمز لتزيد من عمق الفجوة بين الطرفين.
قائمة الخلافات طويلة ومعقدة، بدأت مع أزمة جزيرة "غرينلاند" التي يتطلع لاحتلالها للسيطرة على مخزونها من المعادن النادرة، وهو ما رفضته دول الاتحاد الأوروبي. واتسعت الأزمة عندما كرر ترمب تشكيكه في التزام الولايات المتحدة بالدفاع المشترك انطلاقاً من (المادة 5)، متسائلاً عما إذا كان الأوروبيون سيدافعون عن أمريكا إذا تعرضت لهجوم. وهذا الخطاب دفع قادة مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمناقشة بناء "ردع نووي أوروبي" مستقل، لتقليل الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية التي باتت غير مضمونة. وبالإضافة لما سبق، تبقى قضية الجمارك التي يفرضها ترامب على الصادرات الأوروبية لأمريكا ورقة ضغط على كل دول الاتحاد.
جاءت الحرب على إيران لتؤكد أن الطرفين أصبحا على مفترق طرق ولن يجتمعا مجدداً، على الأقل فيما تبقى من فترة الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض. ومع اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران قبل 3 أسابيع تقريباً، ظهر شرخ عميق تمثل في رفض دول مثل إسبانيا استخدام قواعدها العسكرية لشن هجمات ضد إيران، مما دفع ترمب للتهديد بقطع العلاقات التجارية مع مدريد. وأعلنت ألمانيا وفرنسا دعمهما الكامل لإسبانيا، معتبرين أن أي تهديد تجاري أمريكي لمدريد هو تهديد للاتحاد الأوروبي ككل، مما أفشل خطة ترمب في "الاستفراد" بالدول كل على حدة.
لكن الأمور وصلت إلى الهاوية عندما فشلت الضربات العسكرية في تقويض نظام الملالي في طهران، وبات البحث عن بديل للخروج من هذا المستنقع هو ما يشغل بال الرئيس الأميركي الذي اعتبر الاستيلاء على جزيرة "خرج"، التي تصدر أكثر من 90% من صادرات إيران النفطية، بمثابة جائزة يمكن الحصول عليها ومبرراً لوضع نهاية للحرب. لكن العقبة كانت في تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يعني استحالة السيطرة على أسعار النفط مستقبلاً، الأمر الذي دفع ترمب لمحاولة إنشاء "تحالف هرمز"، وهو تشكيل قوة عسكرية بحرية من الدول التي تستفيد من المضيق لحمايته من الإغلاق، لكن أيضاً هذه المرة كانت صدمة ترمب أشد وأقسى وقعاً عليه.
وجاءت الضربة الصاعقة في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل بعد يوم من زيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضغط على التكتل للمساعدة في حماية مضيق هرمز، محذراً من أن حلف الناتو يواجه مستقبلاً "سيئاً للغاية" إذا فشل أعضاؤه في تقديم المساعدة لواشنطن. وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: "لا توجد رغبة، لم يبدِ أي من الدول الأعضاء المشاركة في هذه الحرب". وأعلنت كل الدول رفضها المشاركة في هذا التحالف معتبرين أن استمرار فتح المضيق يتم بالطرق الدبلوماسية فقط، حتى بريطانيا، الحليف الأكبر والتاريخي للولايات المتحدة- رفضت العرض.
يخشى القادة الأوروبيون من تبعات الحرب على أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل بعد إغلاق مضيق هرمز، وتدفقات الهجرة، ويرون أن ترمب يجر القارة إلى صراع لا يخدم مصالحها. بالإضافة إلى أن أسلوبه المتعالي مع الحلفاء جعلهم يفكرون جدياً في تصحيح مسار التعامل مع الولايات المتحدة.
وبالفعل تحوّل الغضب الأوروبي تجاه ترمب من مجرد استياء إلى انتقام استراتيجي وهيكلي يتجاوز التصريحات الإعلامية. لم يعد الأوروبيون يكتفون بالدفاع، بل بدأوا في تشكيل ترسانة ردع شاملة لمواجهة ضغوط ترمب، وتتمحور خططهم الانتقامية حول المسارات التالية:
لأول مرة في تاريخ التكتل، يقترب الاتحاد الأوروبي من تفعيل "أداة مكافحة الإكراه"، هذا ليس مجرد إجراء جمركي، بل هو "نووي اقتصادي":
* إعداد قائمة بمنتجات أمريكية بقيمة 93 مليار يورو لفرض رسوم انتقامية عليها فوراً إذا نفذ ترامب تهديده بفرض رسوم الـ 10% على الصادرات الأوروبية.
* استهداف الخدمات والتكنولوجيا، وهناك توجه لفرض ضرائب على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين وشركات الخدمات، رداً على تهديدات ترامب لقطاع السيارات الألماني والصيدلة الدنماركية.
* تجميد السندات: بدأت نقاشات بتحذير من محللين في بنوك كبرى مثل "دويتشه بنك" حول التوقف عن اعتبار السندات الحكومية الأمريكية كأصول خالية من المخاطر في الأسواق الأوروبية، مما قد يزعزع جاذبية الديون الأمريكية.
أما الانتقام العسكري أو "الطلاق الناعم" من القيادة الأمريكية، فيتمثل في تهميش الدور القيادي الأمريكي في القارة؛ فأطلق الاتحاد الأوروبي برنامج "الأمن من أجل العمل في أوروبا" بميزانية 150 مليار يورو كقروض للمشتريات العسكرية المشتركة، مع اشتراط أن تكون الأسلحة أوروبية الصنع، وهو ما يحرم شركات الدفاع الأمريكية (مثل لوكهيد مارتن) من صفقات بمليارات الدولارات.
أخيراً المظلة النووية البديلة، حيث بدأت فرنسا فعلياً عبر اقتراح "الردع المتقدم" في عرض مظلتها النووية كبديل للمظلة الأمريكية، رداً على تشكيك ترامب في المادة الخامسة، مما يعني سحب "البساط القيادي" من تحت قدمي واشنطن في الناتو.
باختصار، وصل الانتقام الأوروبي لمرحلة بناء عالم ما بعد أمريكا، حيث لم تعد أوروبا ترى في واشنطن "الحليف الموثوق"، بل "المنافس الذي يجب ردعه".
مع صعوبة الخروج من الأزمة الإيرانية، يسعى ترمب الآن للسيطرة على جزيرة "خرج" بأقل التكلفة كأحد أهم الأوراق التي تمنحه خروجاً آمناً من الحرب مع إيران، لذلك يسعى إلى توريط الأوروبيين واليابانيين وأيضاً الصينيين في المساهمة لتأمين مضيق هرمز. أي أن ترمب يريد أن يستولي على النفط ويترك لحلفائه تحمل تكاليف تأمين الممر الوحيد لتصدير النفط إلى العالم.
حاليا ترمب وجد نفسه عالقاً بين نزواته وحقائق الحرب. فهو كان يتوقع نصراً سريعاً وحاسماً، ولكن على عكس قضية الرسوم الجمركية التي يمكن فرضها وإلغاؤها بسرعة، فإن نتيجة الحرب الحالية كل ساعة تصبح خارج سيطرته. حتى إيران أصبح لها رأي آخر بعد أن أثبتت قدرتها على إلحاق الألم، عسكرياً واقتصادياً، لردع الهجمات المستقبلية؛ فهي تريد استمرار الحرب حتى تحصل على ضمانات بعدم تكرارها حتى لو انسحب ترمب غداً، فبإمكان الإيرانيين إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة للغاية تجبر أمريكا على إعادة الانخراط.
معادلة الصراع أصبحت صفرية إلى حد كبير، فبقاء النظام في إيران بعد كل تلك الضربات هو النصر الأكيد. هذا هو بالضبط المعادل الموضوعي للهزيمة بالنسبة لتل أبيب وواشنطن، وكل ما خلفته الضربات يمكن استعادته بسهولة مستقبلاً. هذا هو كابوس ترمب ونتنياهو مهما حاولوا الترويج لنصر حاسم على إيران.