من بين الأطلال

08 يناير 2026
michealsamir405@gmail.com
مايكل سمير
تابع الكاتب عبر :

يجلس أمام الكمبيوتر المحمول، يحدّق في شاشة يكسوها غبار رقيق، تماما كما يغطي التشويش طبقات رأسه. هذا هو اليوم التاسع عشر على التوالي الذي يجلس فيه بالوضعية ذاتها، محاولا أن يكتب. تتصارع الأفكار في رأسه كمعركة تدور بين دبابات لا تريد النصر بل الفناء المتبادل، وكلما حاول السيطرة عليها ازدادت شراسة.

يداعب لوحة المفاتيح بأنامله دون أن يكتب حرفا. "عجلة القدر"... الرواية التي تخمّرت في ذهنه طويلا، تلاشت قبل أن يخط سطرها الأول. حسنا، ماذا عن رواية "ساعي البريد"؟ دُهست بدبابة خيالية حمقاء قبل أن تولد. يسند جبهته إلى كفيه، يحاول الإمساك بأفكار تفلت من بين أصابعه كدخان مراوغ. يشعل سيجارة، يتأمل دوائر دخانها ترتفع ببطء نحو سقف الغرفة، مكوّنة حلقات سيريالية تتلاشى ببطء كأنما تسخر من محاولاته.

يتسلل صوت خافت من بعيد، صوت يعرفه قبل أن يدرك مصدره. صوت أم كلثوم ترنّم: «يا فؤادي لا تسل أين الهوى… كان صرحا من خيال فهوى». ابتسامة عابرة تلامس شفتيه. الذكريات تأتي كالنسيم، تواسيه ثم تتلاشى. يرفع حاجبيه: قهوة؟ ربما تساعد. ينهض ليصنع كوبه السحري الذي يرجو أن يروي أفكاره فتتحول أخيرا إلى كلمات حيّة.

بينما تنضج ببطء، يستسلم للحظة الواقع، يمتزج بحلم خفيف وبألم يعرفه جيدا. مستنشقا رائحتها الذكية، يعود إلى مكتبه بالكوب الدافئ. سيجارة جديدة، الأولى أصبحت رمادا، وقد تحولت إلى خط طويل من رماد في المطفأة. يكتب أخيرا: "كان يجلس في الشرفة يراقب الطريق بعينين شاردتين، يتابع ساعي البريد العجوز يقود دراجته في هدوء، ثم يتوقف". لماذا تقتحم دبابة نازية المشهد فجأة؟ من الذي سمح لها بالدخول؟ تتدخل الموسيقى من جديد، وكأنها تتآمر مع الفوضى في رأسه.

يتنهّد وصوت أم كلثوم يتهادى من بعيد. كم يكون رائعا حين يأتي من بعيد ولا يعرف السبب، كأنه يأتي من ذاكرتين في آن: من الراديو ومن زمن آخر. "اسقني واشرب على أطلاله… واروِ عني طالما الدمع روى". ينهض من جديد ويتجه إلى الثلاجة كمن يبحث عن هدنة قصيرة.

يجاهد لفك الطبق المغلّف، يقتطع قطعة من الجبن الرومي ويدسّها في فمه، ثم يعود إلى مكتبه. وفجأة يقفز إلى ذاكرته بيت الشعر القديم: "قالت: سمنت فأين آثار الهوى؟ لو كنت تعشقني لكنت نحيلا"، ويتذكر الرد: "كتم الدموع عن الورى قد زاد من وزني فصرت ثقيلا".

يبتسم للحظة ثم تختفي الابتسامة سريعا. كان يعجبه ذكاء الشاعر وسرعة بديهته في الرد عليها. على أية حال، قطعة جبن رومي لن تغيّر مصيره، كذلك لن تزيد الأمر سوءا.

يعيد ترتيب جلسته أمام الشاشة، ينظر إلى ساعي البريد العجوز الذي توقّف في الجملة الأولى، الحقيبة تقع من دراجته، والدبابة تظهر من جديد. يضرب رأسه بخفة على الكف: ما الذي أتى بالدبابة هنا؟ هو يعرف الحقيقة. المعركة ليست على الصفحة بل داخله، بين ما يريد كتابته وما يحاول الهرب منه.

تبتسم الست بخبث عبر موجات الراديو وتهمس: "كم بنينا من خيال حولنا". يغمض عينيه ويسند رأسه بين يديه، يحاول إخراج الأفكار من الزحام كمن ينقذ جنديا جريحا تحت النيران. صوت الست يقترب أكثر: "وانتبهنا بعدما زال الرحيق". يضحك بخفوت. سخيف الأمر، الهروب من الكتابة إلى كتابة الهروب من الكتابة. ربما هذا هو الحل فعلا.

يحدّق طويلا، وتأخذه أم كلثوم برفق نحو النهاية التي يعرفها: "يا حبيبي كل شيء بقضاء… ما بأيدينا خلقنا تعساء". يترك القلم، ينظر إلى الشاشة ويرى أخيرا جملة لم تُدهس بعد. يمسح الغبار عنها ويبتسم، هذه المرة ابتسامة كاملة، ابتسامة من يعترف بالهزيمة. فيكمل الجملة: "ومضى كل إلى غايته، لا تقل: شئنا فإن الحظ شاء". ثم يترك يده تسقط على مكتبه. لم يعد متأكدا: هل هو الذي يكتب، أم أن الكلمات منذ البداية كانت تكتبه؟