من يعيد تشكيل اليمن؟
لم يعد السؤال الأهم في اليمن: من يسيطر على الأرض؟ بل، من يستطيع تحويل النفوذ إلى شرعية، والشرعية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة؟
خلال سنوات الحرب، نشأ ما يمكن وصفه بـ «توازن العجز»؛ فلا الحوثيون استطاعوا حسم اليمن عسكريًا، ولا القوى المناهضة لهم تمكنت من استعادة الدولة أو فرض تسوية نهائية. وفي المقابل، أنتجت الحرب مراكز قوة محلية متعددة، وتراجعت قدرة الدولة المركزية على احتكار السلاح والقرار والموارد. وهكذا تحول الانقسام من نتيجة للحرب إلى عنصر من عناصر تشكيل النظام السياسي المقبل. لكن هذا التوازن بدأ يتغير.
في نهاية 2025 ومطلع 2026، شهد جنوب اليمن وشرقه، خصوصًا حضرموت والمهرة، إعادة ترتيب كبيرة للقوة والنفوذ. تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا في الشرق، بينما تعزز الدور السعودي في إعادة تنظيم القوات والمراكز الأمنية التابعة للحكومة اليمنية. ولم يكن ذلك مجرد تغيير في خرائط الانتشار؛ بل عكس محاولة لإعادة بناء مركز أكثر تماسكًا للقوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وتواصلت عملية إعادة الهيكلة خلال النصف الأول من 2026، بما شمل قيادات ووحدات عسكرية وأمنية في مناطق الحكومة، في محاولة للحد من تعدد مراكز القوة وإعادة ربطها بمؤسسات الدولة.
لكن إعادة توزيع القوة داخل معسكر الحكومة لا تعني انتهاء الصراع. فـجماعة أنصار الله الحوثية ما زالت تمثل مركز القوة الأكثر تماسكًا في شمال اليمن، كما أن قدرتها على التأثير في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية تمنحها وزنًا يتجاوز نطاق سيطرتها الجغرافية. وقد حذرت الأمم المتحدة في أغسطس 2026 من ارتفاع مخاطر العودة إلى مواجهة واسعة في اليمن.
في قلب هذه التحولات تقف حضرموت بوصفها اختبارًا خاصًا لإعادة تشكيل الدولة. فالثروة النفطية، والموقع الاستراتيجي، والساحل والموانئ، والحدود مع السعودية، تمنحها وزنًا يتجاوز حدودها الإدارية. ولذلك فإن التنافس حولها لا يتعلق بالسيطرة على الأرض فقط، بل بموقع المحافظة في ترتيبات الأمن والثروة والتمثيل السياسي في شرق اليمن. وقد أكدت التطورات الأخيرة أن القوى المحلية، ومنها حلف قبائل حضرموت، أصبحت جزءًا لا يمكن تجاهله من معادلة التوازن المحلي.
وهنا يتغير مفهوم القوة نفسه. فلم تعد القوة اليمنية عسكرية خالصة، بل أصبحت مزيجًا من السيطرة الجغرافية، والموارد، والتمثيل، والقدرة المؤسسية، وشبكات الاقتصاد السياسي، والعلاقات الإقليمية. ولذلك يمكن لطرف أن يخسر موقعًا عسكريًا ويحتفظ بنفوذ سياسي واجتماعي، بينما قد يسيطر طرف آخر على الأرض ويفشل في تحويل السيطرة إلى حكم مستقر.
من هذه الزاوية، لا يبدو أن اليمن يتجه بالضرورة إلى عودة المركزية السابقة، كما لا يبدو الانقسام الرسمي نتيجة حتمية. والأرجح أن أي تسوية مقبلة ستتطلب إعادة تفاوض عميقة على توزيع السلطة والثروة والأمن والتمثيل، مع احتمال بقاء الدولة موحدة قانونيًا ولكن أكثر لامركزية في إدارة شؤونها.
المشكلة الأساسية ستكون في كيفية إدارة تعدد مراكز القوة والتمثيل. فإذا تحولت اللامركزية إلى مؤسسات وقواعد واضحة، يمكن أن تصبح مدخلًا لإعادة بناء الدولة. أما إذا بقيت مجرد غطاء لتعدد السلطات المسلحة والاقتصادية، فقد تتحول إلى صيغة جديدة للصراع. لذلك فإن المعركة المقبلة في اليمن لن تُحسم بالسيطرة على أكبر مساحة من الأرض، وإنما بالقدرة على تحويل القوة إلى شرعية، والشرعية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة.
اليمن لا ينتقل بالضرورة من الحرب إلى السلام؛ قد ينتقل أولًا من «توازن العجز» إلى «توازن جديد للقوة». وما سيحدد مستقبل الدولة ليس فقط من يملك اليد العليا، بل من يستطيع تحويل موازين القوة المتغيرة إلى صيغة سياسية قابلة للحياة.