حين ضاقت الأرض بأحلام الإنسان

23 August 2026
montage5555@gmail.com
سفيان مرزا
تابع الكاتب عبر :

كم مرة قرأنا الأساطير القديمة كما لو أنها كتبٌ تحاول أن تخبرنا عن الآلهة؟ نبحث عن أسمائها، وأنسابها، وحروبها، ورموزها، ثم نغلق الكتاب معتقدين أننا عرفنا شيئًا عن السماء. لكن ماذا لو كان السؤال كله معكوسًا؟ ماذا لو لم تكن الأساطير، منذ بدايتها، محاولةً لفهم السماء، بل محاولةً لفهم الإنسان؟

الإنسان لم يكن قادرًا على الهروب من نفسه، حتى وهو يتخيل عالمًا لا يشبه الأرض. كان يستطيع أن يخلق آلهةً لا تعرف الأسرة، ولا الحب، ولا الأخوة، ولا الحوار، لكنه لم يفعل. في حضارات متباعدة نجد أبًا وأمًا، وأخًا وأختًا، وزوجًا وزوجة، وأبناءً، وخصومات ومصالحات وغيرة ووفاء؛ وكأن الإنسان، كلما رفع بصره إلى السماء، حمل معه بيته أيضًا.

لعل السؤال الحقيقي ليس: من كانت آلهة الإنسان، بل أي صورة للإنسان رأى أنها تستحق أن يرفعها إلى السماء؟ فالإنسان لا يمنح عالمه الإلهي ما يحتقره، ولا يخلّد ما يراه تافهًا. وحين يبني عالمًا كاملًا، يحتفظ له بأغلى ما يملك، أو بأجمل ما كان يتمنى أن يملكه. لهذا لا أقرأ الأساطير باعتبارها تاريخًا للآلهة فقط، بل باعتبارها تاريخًا للأحلام التي لم يجد الإنسان مكانًا يحفظها فيه إلا السماء.

من بين آلاف النصوص التي وصلت إلينا من بلاد الرافدين، استوقفني حوار صغير جدًا، ليس لأنه يتحدث عن الآلهة، بل لأنه يكاد ينسى أنه يتحدث عنهم. لا يبدأ النص بخلق الكون، ولا بصراع بين الآلهة، ولا بعقوبة للبشر. بل يبدأ داخل بيت. أخ يسأل أخته: ماذا كنتِ تفعلين في البيت؟. للوهلة الأولى يبدو السؤال عاديًا. لكن لو حذفنا أسماء الشخصيات وأخفينا تاريخ النص، لما خطر ببال أحد أنه يقرأ حوارًا يعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام.

الأخت لا ترتبك، ولا تخاف، ولا تبرر نفسها، بل تتحدث كما يتحدث إنسان يشعر بالأمان. تقول إنها اغتسلت، وفركت جسدها بالصابون، ودهنت بشرتها بالزيت العطر، ووضعت الكحل في عينيها، وسرحت شعرها، واختارت قلائدها وخواتمها، ثم تخبره أنها تستعد للقاء الرجل الذي تنتظره. هنا توقفت عن متابعة الكلمات، ليس لأن النص انتهى، بل لأنني شعرت أنني لم أعد أقرأ عن الآلهة أصلًا.

كنت أقرأ عن الإنسان. فلماذا اختار الكاتب أن يجعل أول ما يلفت انتباهنا في العالم الإلهي ليس القوة ولا الهيبة ولا السلطة، بل علاقة أخ بأخته؟ ولماذا تبدأ القصة بحوار لا بأمر، وبسؤال لا بتهديد، وبثقة لا بخوف؟ هذه الأسئلة، في تقديري، أهم من أسماء الآلهة نفسها. لأن أسماء الآلهة تخبرنا عن المعتقد، أما طريقة حديثها فتخبرنا عن الإنسان الذي تخيلها. وهنا تبدأ القراءة الحقيقية للأسطورة.

الأسطورة ليست نافذة على السماء فقط، بل مرآة للأرض أيضًا؛ وربما كانت، في كثير من الأحيان، مرآة للإنسان وهو يحاول أن يرسم أجمل نسخة من نفسه. ولا ينبغي أن نستعجل في تحويل هذا الحوار إلى وثيقة اجتماعية فنقول إن أسر بلاد الرافدين كانت تعيش بهذه الصورة؛ فهذا ما لا يستطيع نص أدبي واحد أن يثبته. لكننا نستطيع أن نقول شيئًا آخر لا يقل أهمية: إن الكاتب، حين أراد أن يصف عالمًا يليق بالآلهة، لم يختر أن يملأه بالخوف، بل بالحوار. ولم يجعل الأخ رمزًا للسلطة، بل شريكًا في فرحة أخته.

والقيمة الكبرى لهذا النص لا تكمن فقط في أنه يخبرنا أن أهل بلاد الرافدين عرفوا الصابون، واستعملوا الزيوت العطرية والكحل والحلي. هذه تفاصيل ثمينة، لكنها ليست قلب النص. القلب الحقيقي أنها ذُكرت وكأنها أشياء لا تستحق الشرح. وهنا تبدأ الحضارة بالكلام.

الحضارات لا تكشف نفسها دائمًا فيما تعلنه عن ذاتها، بل فيما تعتبره أمرًا بديهيًا. حين تتحدث إينانا عن الاستحمام والزيت وشعرها وحليها، فإنها لا تشرح غرائب عالمها؛ إنها تتحدث عن تفاصيل يومها. لكن أكثر ما شدني لم يكن حديث إينانا، بل حديث أوتو.

كان الكاتب قادرًا على أن يجعل الأخ رمزًا للقوة، يقرر ويأمر ويمنع ويحاسب. لكنه جعله يسأل، ثم يستمع، ثم يطمئن، ثم يخبر أخته أنه ذهب يبحث لها عن الرجل الذي يليق بقلبها. هذه الجملة لا تثبت كيف كان الزواج في بلاد الرافدين، ولا ينبغي تحميلها ما لا تستطيع إثباته، لكنها تكشف أن الكاتب رأى في هذه الصورة نموذجًا يليق بأن ينسبه إلى العالم الإلهي. فالأسطورة لا تقول لنا دائمًا كيف عاش الناس، لكنها كثيرًا ما تقول لنا كيف تمنوا أن يعيشوا.

 

وربما لهذا لا أرى في هذا الحوار مجرد قصة بين إله الشمس وإلهة الحب، بل محاولة إنسانية قديمة لرسم العالم الذي يستحق أن يكون: عالم لا يبدأ بالخوف بل بالثقة، ولا بالقوة بل بالحوار، ولا بالسلطة بل بالعلاقة. ومن هنا ربما نفهم لماذا امتلأت أساطير البشر بالآباء والأمهات والأبناء والإخوة. ليس لأن السماء كانت تشبه الأرض، بل لأن الإنسان، وهو يرسم السماء، لم يجد أجمل من بيته ليحمله إليها.

لقد رفع إلى السماء ما كان يخشى أن يفقده على الأرض. رفع الحب، والأسرة، والحوار، والأمل في أن تكون العلاقات الإنسانية أرقى مما هي عليه في الواقع. وربما لهذا بقي هذا الحوار حيًا بعد أكثر من أربعة آلاف عام. لا لأنه يخبرنا ماذا كانت تفعل الآلهة، بل لأنه يخبرنا ماذا كان الإنسان يتمنى أن يكون.

ولهذا فإنني لا أقرأ هذا اللوح الطيني لأتعرف إلى أوتو وإينانا فقط، بل لأتعرف إلى الكاتب المجهول الذي عاش قبل آلاف السنين، وجلس يومًا ليكتب عن السماء، فإذا به، من حيث لا يقصد، يكتب عن الإنسان.

اقرأ هذا المقطع السومري إذن، ولكن لا تبحث فيه عن الآلهة وحدها. ابحث عن الإنسان المختبئ بين كلماتها. ثم لتسأل، إذا كانت كل حضارة قد رفعت إلى السماء أجمل ما كانت تؤمن به، فما الذي نرفعه نحن اليوم؟

أوتو / الشمس:

يا أختي، ماذا كنتِ تفعلين في المنزل؟

يا صغيرتي، ماذا كنتِ تفعلين في المنزل؟

إينانا:

كنتُ أستحم برذاذ الماء، وأفرك جسدي بالصابون.

وفركتُ جسدي بالصابون من جرة الحجر البراقة.

ودهنتُ جسدي بالزيت الحلو.

وارتديتُ ردائي الملكي، رداء ملوكية السماء.

ووضعتُ الكحل في عيني.

وأسدلتُ شعري خلف رقبتي.

ووضعتُ خواتم الذهب في أصابعي.

وعلقتُ قلائد خرز الحجر الملون البراق حول عنقي.

أوتو:

يا أختي، لأجل قلبك ذهبتُ لأجد لك الرجل المناسب.

ولقلبك النقي المحب ذهبتُ وبحثت.

يا شقيقتي، يا نجمةً مشعة،

أنتِ عسل الأم التي ولدتك.

هو يريد أن يأتي،

يا أختي السارة المتألقة.