لماذا تراهن أنقرة على مصر الآن؟

19 August 2026
shabanabdelfattah@yahoo.com
شعبان عبدالفتاح شعبان
تابع الكاتب عبر :

لم تكن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر حدثاً منفصلاً عن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ولا مجرد حلقة أخرى في مسار تحسين العلاقات بين القاهرة وأنقرة. فتوقيت الزيارة، بعد أيام من توقيع تركيا والسعودية وباكستان "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، وفي ظل تعثر مسار غزة واستمرار أزمات ليبيا والسودان والاضطرابات في الممرات البحرية، يجعلها أقرب إلى محاولة تركية لإعادة تعريف موقع مصر داخل التصور الإقليمي الذي تسعى أنقرة إلى بنائه.

ولهذا حملت تصريحات فيدان رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية، حين وصف مصر بأنها "شريك طبيعي" لتركيا، وربط التعاون بين البلدين بمفهوم "الملكية الإقليمية"، أي تولي دول المنطقة مسؤولية معالجة أزماتها بدلاً من انتظار حلول تفرضها قوى خارجية. كما تحدث صراحة عن تطلع أنقرة إلى تحول القاهرة من شريك في المشاورات إلى شريك رسمي في "اتفاق مكة".

ويبدو أن الهدف الأول للزيارة يتعلق بتثبيت المصالحة المصرية-التركية داخل إطار مؤسسي يصعب التراجع عنه. فبعد سنوات كان التقارب خلالها يتحرك بصورة تدريجية وحذرة، انتقلت العلاقة إلى مستوى مختلف مع انعقاد الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة برئاسة وزيري الخارجية، ومشاركة ممثلين عن مؤسسات ووزارات عدة، ومراجعة خريطة الطريق الخاصة بالتعاون الاستراتيجي. كما اتفق البلدان على خطوات اقتصادية تستهدف رفع التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار وتسهيل عمل الشركات وتعزيز الترابط بينهما.

ولا تكمن أهمية ذلك في الأرقام الاقتصادية وحدها، بل في اتساع المجالات التي تدخل تدريجاً ضمن العلاقة، من التجارة والطاقة والنقل إلى الأمن والدفاع والتعاون البحري. وهو تحول يعني أن أنقرة لا تريد علاقة مع القاهرة تقوم فقط على إزالة آثار خلافات العقد الماضي، بل تسعى إلى بناء شبكة مصالح تجعل التنسيق بين البلدين أكثر استدامة وأقل ارتباطاً بتغير الظروف السياسية.

أما الهدف الثاني فيرتبط بغزة، التي تحولت إلى أحد أكثر الملفات التي تجمع القاهرة وأنقرة. فقد أعلن فيدان أن الجانبين اتفقا على اتخاذ إجراءات "أكثر جدية"، وربط الخطوات المقبلة بمسار تنفيذ خطة السلام والضغط على إسرائيل، بالتوازي مع استمرار التنسيق بين مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة.

وبالنسبة إلى تركيا، تمنحها الشراكة مع مصر في هذا الملف ميزة لا تستطيع تحقيقها منفردة. فالقاهرة تمتلك موقعاً جغرافياً ودوراً تفاوضياً مباشراً في القضية الفلسطينية، بينما بنت أنقرة خلال السنوات الأخيرة شبكة اتصالات مع الأطراف الفلسطينية والدولية. ومن ثم فإن توسيع التنسيق مع مصر يسمح لتركيا بتعزيز حضورها في ترتيبات غزة من دون محاولة منافسة الدور المصري، بل من خلال العمل إلى جانبه.

وتظهر ليبيا باعتبارها البعد الثالث للزيارة. والمفارقة أن البلدين اللذين وقفا قبل سنوات على طرفي معادلة الصراع الليبي باتا يتحدثان اليوم عن رؤية مشتركة تقوم على وحدة ليبيا وسيادتها وعدم تقسيمها، بل أعلن فيدان أن هذه الرؤية ستتحول إلى "تحرك مشترك".

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن فيدان وصل إلى مصر بعد جولة ليبية، بما يعكس محاولة أنقرة تقليص الفجوة بين سياساتها داخل ليبيا والحسابات المصرية. وإذا نجح البلدان في الانتقال من إدارة تنافسهما هناك إلى تنسيق المصالح، فسيكون ذلك أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على تغير طبيعة العلاقة، نظراً إلى أن ليبيا كانت تاريخياً من أكثر الملفات حساسية بينهما.

لكن البعد الأكثر لفتاً للانتباه يظل رغبة تركيا في إشراك مصر في "اتفاق مكة". فأنقرة لا تخفي رؤيتها بأن الاتفاق المبرم مع السعودية وباكستان يمكن أن يتوسع، وفيدان سبق أن وصف بند الدفاع المشترك فيه بأنه مماثل من الناحية الفنية للمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع تأسيس لجنة وزارية وأمانة عامة لإدارة الترتيب الجديد.

ولهذا تمثل مصر بالنسبة إلى تركيا أكثر من مجرد عضو محتمل. فانضمام القاهرة سيمنح الاتفاق ثقلاً عربياً وجغرافياً وعسكرياً أكبر، وسيحول المثلث السعودي-التركي-الباكستاني إلى شبكة تربط الخليج وشرق المتوسط والبحر الأحمر وجنوب آسيا.

لكن الموقف المصري يبدو أكثر حذراً. فقد أكد وزير الخارجية بدر عبدالعاطي أن القاهرة كانت على اطلاع على المباحثات، لكنها تدرس الجوانب القانونية والدستورية للانضمام، وهو ما يشير إلى أن مصر لا ترفض الفكرة لكنها لا تريد أيضاً الدخول سريعاً في التزامات دفاعية قد تقيد هامش حركتها.

ومن هنا يمكن قراءة زيارة فيدان بوصفها محاولة لإقناع القاهرة ليس فقط باتفاق دفاعي، وإنما برؤية أوسع حول شكل الإقليم. فالمفهوم الذي تكرره أنقرة حول "الملكية الإقليمية" يعكس رغبة تركية في بناء ترتيبات تقودها القوى الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا ومصر والسعودية وباكستان، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول قدرة الضمانات الخارجية وحدها على حماية استقرار المنطقة.

ويضاف إلى ذلك شرق المتوسط، الذي كان قبل سنوات ساحة تنافس حاد بين القاهرة وأنقرة. واليوم تتحدث تركيا عن تطوير التعاون البحري مع مصر وإعطاء الأولوية للتوافق بدلاً من الاستقطاب، بالتوازي مع اتساع التعاون العسكري عبر الزيارات والتدريبات المشتركة. ومن ثم فإن إعادة صياغة العلاقة في شرق المتوسط قد تكون بالنسبة إلى أنقرة إحدى أهم ثمار التقارب، لأنها تقلص أحد مصادر الضغط الجيوسياسي الذي واجهته تركيا خلال السنوات الماضية.

في المقابل، لا تتحرك القاهرة بالضرورة وفق الرؤية التركية نفسها. فمصر تبدو حريصة على تطوير علاقاتها مع أنقرة، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى استبدال شبكة تحالفات بأخرى أو الدخول في استقطابات جديدة. وهذا يفسر الجمع بين الانفتاح المتسارع على تركيا والحذر في التعامل مع "اتفاق مكة".

لذلك فإن الدلالة الأهم لزيارة فيدان ربما لا تكمن في اتفاق بعينه، بل في الانتقال التدريجي من مرحلة "تطبيع" العلاقات إلى مرحلة اختبار إمكانية بناء شراكة إقليمية. فتركيا ترى أن كثيراً من الملفات الممتدة من غزة وليبيا والسودان إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط يصعب إدارتها من دون مصر، بينما تدرك القاهرة أن أنقرة باتت لاعباً يصعب تجاوزه في المعادلات نفسها.

وبين الرغبة التركية في بناء ترتيبات إقليمية جديدة والحذر المصري من الالتزامات الصلبة، ستتحدد حدود الشراكة المقبلة. لكن المؤكد أن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت القاهرة وأنقرة قادرتين على تجاوز خلافاتهما القديمة، بل حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه شراكتهما بعدما أصبحت مصالحهما تتقاطع في معظم أزمات المنطقة.