حصر السلاح في العراق كاستحقاق وطني

14 August 2026
ramzi1973@gmail.com
رمزي ميركاني
تابع الكاتب عبر :

يشهد المشهد العراقي اليوم واحدة من أدق مراحله السياسية والأمنية منذ عام 2003، حيث تتصدر واجهة الأحداث قضية حصر السلاح بيد الدولة. هذه القضية التي لم تعد مجرد شعار انتخابي أو مطلب شعبي، بل تحولت إلى استحقاق مفصلي تفرضه متغيرات إقليمية وضغوط دولية، فضلاً عن طموحات داخلية لإعادة هيبة الدولة. 

إن إعلان رئيس الحكومة علي الزيدي عن تشكيل لجان لفك ارتباط فصائل بارزة مثل (عصائب أهل الحق) و(كتائب الإمام علي) عن هيئة الحشد الشعبي، يمثل حجر الزاوية في مشروع طموح يهدف إلى إنهاء ازدواجية القوة في البلاد.

إن حصر السلاح بيد الدولة في السياق العراقي المعقد يعني أكثر من مجرد تسليم بنادق ومعدات؛ إنه يعني إخضاع الأفراد والأسلحة والآليات والوسائل اللوجستية كافة للسلطة المباشرة للقائد العام للقوات المسلحة. إدارياً، تهدف هذه الخطوة إلى إنهاء الاستقلال المالي والعسكري للفصائل، وتحويل منتسبيها إلى موظفين ومقاتلين ضمن تراتبية عسكرية مهنية تخضع للقانون العراقي، وليس لأوامر حزبية أو أيديولوجية عابرة للحدود.

هذا المسار يتضمن مسارين متوازيين: الأول هو الجرد والتسليم للترسانة العسكرية، والثاني هو الإدماج والدمج للأفراد ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية. وبحسب المراقبين، فإن هذا التحول يمنح رئيس الحكومة صلاحيات فعلية في قيادة هذه الألوية، ويغلق الثغرات التي كانت تسمح لبعض الفصائل بالتحرك تحت غطاء الحشد تارة، وبصفتها فصائل مقاومة مستقلة تارة أخرى.

لا يمكن فصل هذه التحركات عن الواقع الإقليمي المتغير. تراجع النفوذ الإيراني النسبي عقب الأزمات والحروب الأخيرة في المنطقة دفع طهران، وحلفاءها في بغداد، إلى إعادة حساباتهم. فإيران التي ترى في العراق عمقاً استراتيجياً، باتت تدرك أن استمرار تغوّل الفصائل قد يؤدي إلى خسارة البيئة الشيعية الحاضنة، خاصة بعد انتفاضة تشرين 2019.

من جانب آخر، تبرز الجزرة الأمريكية والضغوط الاقتصادية كعامل حاسم. فواشنطن ربطت استمرار المساعدات الأمنية وتدفق عائدات النفط النقدية باتخاذ إجراءات ملموسة لإبعاد الفصائل عن مؤسسات الدولة. الزيدي، بصفته رجل أعمال وخلفيته المصرفية، يدرك أن الاستقرار الأمني هو المفتاح الوحيد لجذب الاستثمارات الأمريكية والدولية التي يحتاجها العراق لإعادة الإعمار.

أحدثت دعوات نزع السلاح شرخاً واضحاً داخل البيت الفصائلي. فبينما اتجهت قوى مثل عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي نحو تغليب العمل السياسي والحكومي، معتبرة أن وجودها داخل السلطة وصناعة القرار أهم من العمل القتالي في المرحلة الحالية، برزت أصوات رافضة بشدة.

من جهة أخرى، (حركة النجباء) و(كتائب حزب الله)، المصنفتان على لوائح الإرهاب الأمريكية، لا تزالان تتمسكان بما تصفانه بـ"السلاح المقدس". هذا الرفض يضع الدولة أمام اختبار حقيقي؛ فبينما تقبل خمسة فصائل رئيسية (العصائب، بدر، سيد الشهداء، ثار الله، كتائب الإمام علي) مبدأ الدولة، يبقى (جناح الصقور) متمسكاً بسلاحه بحجة وجود القوات الأجنبية. هذا الانقسام قد يحول ملف السلاح من قضية تفاوضية إلى مشروع صدام مؤجل، ما لم تنجح الحكومة في احتواء هذه الفصائل عبر قنوات الحوار أو الضغط الإقليمي.

لعب مقتدى الصدر دوراً محفزاً في هذا الملف حين أعلن فك ارتباط (سرايا السلام) عن تياره ودمجها في الدولة، واضعاً خصومه في الإطار التنسيقي في موقف محرج أمام الشارع. كما أن مرجعية النجف، بفتواها الشهيرة وتوجيهاتها المستمرة بحصر السلاح، منحت حكومة الزيدي "الشرعية الدينية" اللازمة للمضي قدماً، مما سحب البساط من تحت أقدام الفصائل التي كانت تتستر بالغطاء العقائدي.

التحدي الأكبر يكمن في جدية التنفيذ. فهل ستسلم الفصائل أسلحتها النوعية، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، أم ستكتفي بتسليم السلاح الخفيف والمتوسط؟ يخشى الكثيرون من أن يكون هذا التحول تكتيكاً مرحلياً أو إعادة تموضع لامتصاص الغضب الأمريكي وتجاوز مرحلة العقوبات، دون تغيير حقيقي في العقيدة القتالية لهذه المجموعات.

إن نجاح الزيدي في هذا الملف يعني الانتقال من دولة المكونات والفصائل إلى دولة المؤسسات. وهو مسار شاق يتطلب توازناً دقيقاً بين تلبية المطالب الدولية وحماية السيادة الوطنية، وبين تفكيك الهياكل المسلحة دون التسبب في فوضى أمنية جديدة.

العراق اليوم يقف على مفترق طرق؛ فإما أن تنجح الحكومة في احتكار العنف الشرعي وحصر السلاح، وبذلك تفتح أبواب الاستثمار والسيادة الكاملة، وإما أن تظل الفصائل الرافضة دولة داخل الدولة، ما يبقي العراق ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. إن ما يحدث الآن هو بداية خريف الفصائل، لكن الربيع العراقي للدولة القوية لا يزال يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة ونفس طويل في المواجهة والتفاوض.