الدب الروسي: هوية جديدة في عالم متغير

08 October 2025
kimo1983@gmail.com
عبدالكريم برغلة
تابع الكاتب عبر :

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات ورثت روسيا الاتحادية تركة ثقيلة. ما لبثت أن دارت في الفلك الغربي، ورغم هذا التحول في الهوية والنظام الذي يحكم البلاد من الشيوعية إلى الليبرالية؛ ظلت النخب الحاكمة تبحث عن بعث جديد للهوية الروسية ولكن هذه المرة ليست شيوعية ولا ليبرالية رأسمالية. 

انطلقت أبرز هذه الأفكار مع الباحث الأكاديمي والمفكر الروسي الشهير ألكسندر دوغين المسمى بـ"عقل بوتين"، هذا المنظر والفيلسوف الذي يستمد منه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ توليه الرئاسة الخط الأساسي في رسم سياسة ومستقبل روسيا.

يدعو دوغين إلى بناء هوية جديدة لروسيا تستعيد من خلالها هيبتها وقوتها عبر النظرية السياسية الرابعة أو"الأوراسية الجديدة"، وهي عقيدة سياسية تنظر لمركزية روسيا في المجال الأوراسي، ودورها الموحد لثقافات الشعوب المختلفة عبر الاستعانة بروابط القرابة الإثنوغرافية، وتأسيس نظام عالمي تعددي وأخلاقي بعيدا عن النموذج الغربي السائد، وعالم يعترف بالشعوب الأخرى وحريتها وإعادة الفرد المسلوب إلى الروح والدين والجماعة. 

جغرافية روسيا تمثل مصيرها، فالتوجه نحو الشرق خيار استراتيجي لتحقيق الإمبراطورية الأوراسية، يقول دوغين في كتابه الشهير (أسس الجيوبليتيكا.. مستقبل روسيا الجيوبلتيكي)، "لا معنى لوجود الشعب الروسي كجماعة تاريخية عضوية دون إبداع قاري يقوم على بناء الإمبراطورية التي لابد أن تبقى متفوقة من الناحية الاستراتيجية والمدى المكاني وفق المنطق الجيوسياسي على الحالة السوفييتية السابقة".

ربما تشكل الحرب الروسية الأوكرانية المظهر الفاقع في هذا الصراع مع الغرب والخطوة الأكثر دينامية في تحقيق مشروعها الإمبراطوري. كانت شروط غورباتشوف أخر رئيس للاتحاد السوفييتي لانفصال أوكرانيا هو عدم انضمامها إلى حلف الناتو وأن تبقى على الحياد، غير أن القوى المؤثرة في حلف شمال الأطلسي عملت على انضمام أوكرانيا له. 

موقع أوكرانيا على الخاصرة الرخوة لروسيا في قلب السهول الروسية تشكل تهديدا، وخطرا وجوديا للدولة الروسية فيما لو أصبحت مجالا جغرافيا بيد الغرب، ولا يمكن إغفال البعد الديني في صراع روسيا مع الغرب، وهو حاضر في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أن روسيا تتبع المذهب الأرثوذكسي المسيحي المعادي عقائديا لأتباع المذهب الكاثوليكي في الغرب.

بالإضافة إلى التقاليد الروسية القريبة من الثقافة والعادات المشرقية بالقيم والنظرة للأسرة والمجتمع؛ توظف روسيا مسألة الدين والإيديولوجية لخدمة مصالحها وتعبئة الرأي العام لديها عبر رفع شعارات محاربة "النازيين الجدد" في أوكرانيا ومواجهة رئيسها المدعوم من الصهيونية والامبريالية العالمية، كما لا يمكن تجاوز قيمة كييف التاريخية في وجدان وذاكرة الإنسان الروسي فهي نواة تشكيل الإمبراطورية الروسية وأول عاصمة لها. 

يظهر اهتمام روسيا منذ قرون بالبحث عن السيطرة على الموانئ في المياه الدافئة وذلك لتجمد موانئها أغلب شهور السنة؛ وعليه نفهم تدخلها في سوريا وقواعدها على البحر المتوسط كما هو الحال في مشروعها الأوراسي الجديد وانفتاحها على دول الشرق الأوسط. وكذلك حرصها الشديد على ضم ميناء ماريوبول الأوكراني ليصبح بحر آزوف بمثابة بحيرة روسية يحمي سيطرتها على القرم ويؤمن حرية الملاحة في آزوف. 

إذن هو التصعيد الذي أظهر هذا التفاعل بين الأوراسية الجديدة والاستفزاز الغربي الذي وضع روسيا على المحك، وصنع استقطابا جديدا هذه المرة على تخوم أوروبا، كما كشف حاجة الأوروبيين والعالم إلى الشراكة والتعاون أكثر من الماضي، حيث بدت أوروبا متضررة من إرهاصات الحرب اقتصاديا، وظهر مجددا حجم الشراكة المضطربة للقارة مع الولايات المتحدة. 

تدرك الدول المركزية في الغرب الأوروبي أنه قد حان الوقت لاتخاذ سياسات مستقلة عن الولايات المتحدة، تأخذ بعين الاعتبار مصالحها الاستراتيجية ومنها إمدادات الطاقة الروسية الأكثر كفاءة من حيث الوفرة والسعر. لذلك لو أردنا أن نضع عنوانا يصف ويكثف مسألة هذه الحرب لقلنا: إنه الصراع الروسي الأميركي على الأرض الأوكرانية.