هل من مآرب في فرقة المغارب؟
ليست مأساة المغرب الكبير في افتقاره إلى مقومات الوحدة؛ فالجغرافيا جعلت منه امتداداً واحداً، والتاريخ نسج بين شعوبه ذاكرةً أوسع من الحدود الحديثة، فيما أبقت اللغة والعادات والأنساب وأنماط العيش وشائجَ قربٍ تتجاوز خطوط السيادة.
غير أن المفارقة تبدأ حين تتحول هذه المشتركات إلى موضعٍ للتنازع حول تعريف الذات: أهو المغرب العربي أم الكبير؟ سؤال يبدو لغوياً في ظاهره، لكنه يكشف في عمقه تداخلاً بين أبعاد عربية وأمازيغية وإفريقية ومتوسطية، تتعايش في الواقع، ثم تُقدَّم أحياناً كأنها هويات متنافسة. ومع قيام الدول الحديثة تقدّمت حسابات السيادة والأمن الوطني على منطق الشراكة، فصار الإقليم أكثر تماسكاً في ذاكرة شعوبه منه في سياسات دوله، وغدا اتحاد المغرب العربي، منذ تأسيسه سنة 1989، مشروعاً حاضراً في النصوص، محدود الأثر في الواقع.
وتتجلى المفارقة الأعمق في اتساع الهوة بين ما تختزنه شعوب المنطقة من روابط القرب، وما تكرّسه سياسات دولها من تباعد؛ إذ لم يكن تعثر الاندماج المغاربي وليد غياب المصالح المشتركة، بقدر ما كان ثمرةً لضعف الثقة السياسية وتباين تصورات النخب الحاكمة لمصادر النفوذ والتهديد. ويظهر ذلك بجلاء في العلاقة بين المغرب والجزائر، حيث تتداخل المنافسة الجيوسياسية مع قضية الصحراء واختلاف الرؤى بشأن الأمن الإقليمي، فيما تتحمل بقية دول المنطقة كلفة هذا الانقسام من خلال محدودية المبادلات وتعثر المشاريع المشتركة.
وتجد تونس نفسها بين حاجتها إلى فضاء مغاربي أكثر انفتاحاً وحساسية التوازنات السياسية المحيطة بها، بينما تعيق هشاشة مؤسسات الدولة والتدخلات الخارجية قدرة ليبيا على توحيد قرارها الوطني واستثمار إمكاناتها. أما موريتانيا، فبحكم موقعها جسراً بين المغرب العربي والساحل، تنتهج دبلوماسية هادئة تحافظ بها على توازن علاقاتها وتتفادى الاستقطاب.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تمتلك المنطقة مقومات تكاملٍ جلية، من موارد الطاقة في الجزائر وليبيا، إلى القدرات الصناعية واللوجستية المغربية، والكفاءات والخدمات التونسية، والموقع البحري والموارد المعدنية الموريتانية؛ غير أن الحواجز السياسية والتنظيمية وضعف الترابط الإقليمي أبقت هذه الإمكانات دون استثمارٍ يليق بها.
ومع اتساع تأثير شبكات التواصل، انتقلت الخصومات من المجال الدبلوماسي إلى فضاءٍ شعبي مفتوح، حيث تختلط الوطنية بالانفعال، وتتحول الذاكرة إلى أداةٍ للصراع، ويُختزل شعبٌ كامل في مواقف حكومته. وفي عالمٍ يتجه نحو التكتلات، يبقى المغرب الكبير أسيرَ منطقٍ يبدّد قوته ويمنح الفاعلين الخارجيين مجالاً أوسع للتأثير؛ فالفراغ الذي تخلّفه الوحدة لا يظل فارغاً، بل تملؤه مصالح الآخرين وتحالفاتهم المتغيرة. وفي هذا السياق، تسعى دول المنطقة إلى تحويل الجغرافيا والثروة والشرعية الاجتماعية إلى نفوذ، غير أن نجاحها يظل رهين قدرتها على المواءمة بين طموحاتها الخارجية وتماسكها الداخلي.
وهكذا يغدو الانقسام صراعاً بين هويةٍ شعبية تميل إلى التقارب ومنطقٍ دولتيّ يغلّب التحوّط، وبين إمكانات تكاملٍ واقعية وحساباتٍ سياسية تجعل القوة الوطنية بديلاً عن القوة الإقليمية المشتركة. والأخطر أن دول المغرب الكبير لم تتعثر في بناء المؤسسات المشتركة فحسب، بل أخفقت أيضاً في صياغة خيالٍ سياسي جامع؛ إذ تنظر كل دولة إلى الإقليم من زاوية أمنها الوطني، فيما يغيب الإقليم بوصفه فضاءً لمصيرٍ متبادل. لذلك يُستدعى التاريخ أحياناً بوصفه مخزناً للجراح والخصوصيات، ويُهمَل منه ما يكشف وحدة التجربة، فيتحول الخلاف السياسي من مسألة قابلة للتفاوض إلى عنصرٍ من عناصر الهوية، وتبدو المصالحة في الوعي العام تنازلاً رمزياً أكثر منها خياراً عقلانياً.
لذلك لا يبدأ تجاوز المأزق بإعلانٍ وحدوي جديد أو بقمةٍ تُضاف إلى أرشيف القمم، بل بإعادة بناء الثقة عبر مساراتٍ أكثر رسوخاً: الجامعات، والبحث العلمي، والإعلام، والثقافة، والمجتمع المدني، والمبادلات الاقتصادية. فالوحدة التي تنمو داخل المجتمعات أقدر على الصمود من وحدةٍ تُفرض من أعلى، لأنها تجعل القطيعة نفسها مكلفةً سياسياً وأخلاقياً. كما ينبغي ألا تُعلّق مجالات التعاون على تسوية جميع الملفات الكبرى؛ إذ يمكن العمل في القضايا المشتركة، كالأمن المائي، والهجرة، والتنمية الحدودية، والطاقة، والتغير المناخي، حتى في ظل استمرار الخلافات.