تقاطع الحربين الأوكرانية والإيرانية
أعادت التطورات الأخيرة في بحر قزوين، إلى جانب التصعيد المتبادل في الخطاب السياسي بين كييف وطهران، إحياء النقاش حول مستقبل العلاقة بين الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فبعد سنوات بدا فيها الصراعان منفصلين من حيث الجغرافيا والأهداف والأطراف، بدأت تظهر مؤشرات توحي بأن الحدود الفاصلة بينهما لم تعد بالوضوح نفسه، وأن مساحات التقاطع بين الأزمتين آخذة في الاتساع، سواء عبر شبكات التسليح أو الحسابات الاستراتيجية أو الممرات الحيوية للطاقة والتجارة.
ولا يعني ذلك أن الحربين تتجهان بالضرورة نحو الاندماج في جبهة واحدة، غير أن تزايد نقاط الالتقاء بينهما يعكس تحولًا في طبيعة البيئة الأمنية الدولية، حيث أصبحت الصراعات الإقليمية أكثر ترابطًا، وأصبحت تداعيات أي أزمة تمتد بسرعة إلى مسارح أخرى بفعل تشابك المصالح والتحالفات وسلاسل الإمداد.
برز أحد أهم مؤشرات هذا التحول في التغيير الذي طرأ على الخطاب الأوكراني تجاه إيران. فبعد أن كانت كييف تتعامل مع طهران باعتبارها أحد أبرز الداعمين العسكريين لروسيا، بدأت القيادة الأوكرانية تصف إيران باعتبارها طرفًا مؤثرًا في الحرب نفسها. وجاءت تصريحات الرئيس فولوديمير زيلينسكي، التي اعتبر فيها أن إيران شاركت عمليًا في الحرب عبر تزويد موسكو بالطائرات المسيّرة والصواريخ وتقنيات الإنتاج العسكري، لتمنح هذا التحول بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز مجرد الاتهامات التقليدية المتعلقة بنقل الأسلحة.
ويحمل هذا الخطاب أكثر من رسالة. فمن ناحية تسعى كييف إلى توسيع تعريف التهديد الذي تواجهه بما يسمح بتعزيز الدعم الغربي لها، ومن ناحية أخرى، تضع إيران ضمن شبكة واحدة تضم روسيا وحلفاءها، وهو ما قد يفتح الباب أمام مقاربة غربية أكثر شمولًا للتعامل مع هذه الملفات باعتبارها حلقات مترابطة وليست أزمات منفصلة.
وجاءت حادثة استهداف سفينة في بحر قزوين، قيل إنها مرتبطة بإيران، لتضيف بعدًا جديدًا إلى هذا المشهد. فبعيدًا عن الجدل المتعلق بطبيعة العملية أو أهدافها، كشفت الحادثة أن بحر قزوين لم يعد مجرد فضاء مغلق يقتصر دوره على الربط بين روسيا وإيران، بل أصبح جزءًا من التنافس الجيوسياسي الأوسع، نظرًا لارتباطه بالممر الأوسط الذي تسعى أوروبا إلى تطويره ليكون أحد البدائل الاستراتيجية للممرات التقليدية، فضلًا عن دوره في صادرات الطاقة القادمة من أذربيجان وآسيا الوسطى.
وتزداد أهمية هذا التطور إذا ما أُخذ في الاعتبار أن أي اضطراب في بحر قزوين لن يقتصر أثره على أطراف الأزمة المباشرين، بل سيمتد إلى أمن الطاقة الأوروبي، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، والاستثمارات المرتبطة بالممرات الاقتصادية الجديدة. ومن هنا، فإن توسع دائرة التوتر في هذه المنطقة قد يمنح الصراع بعدًا جيواقتصاديًا لا يقل أهمية عن أبعاده العسكرية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة معادلة أكثر تعقيدًا مع استمرار تعدد بؤر التوتر. فإدارة الدعم العسكري لأوكرانيا، والحفاظ على الانتشار العسكري في الشرق الأوسط، وتأمين الحلفاء الإقليميين، كلها ملفات تفرض ضغوطًا متزايدة على القدرات الصناعية والعسكرية الأمريكية. وقد أشارت تقارير متواترة خلال الأشهر الأخيرة إلى تزايد الضغوط على مخزونات بعض منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، وهو ما أعاد النقاش حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من أزمة استراتيجية في وقت واحد.
وفي هذا السياق، قد يصبح توسيع دور الحلفاء الأوروبيين أكثر أهمية بالنسبة لواشنطن من الانخراط المباشر في جبهات إضافية، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس وما تفرضه من اعتبارات سياسية واقتصادية داخلية. ومن ثم، فإن أي تقاطع بين الأزمتين قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع الأدوار داخل التحالف الغربي بدلًا من توسيع حضورها العسكري المباشر.
في المقابل، تبدو أوروبا أكثر ميلًا إلى احتواء التوتر ومنع انتقاله من الشرق الأوسط إلى الساحة الأوكرانية. فقد عكست الاتصالات التي أجرتها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى ربط ملفين كان الاتحاد الأوروبي يسعى إلى إدارتهما بصورة منفصلة. كما أن التوضيحات التي قدمتها كييف بشأن حادثة بحر قزوين، والتأكيد على أن عملياتها تستهدف القدرات العسكرية الروسية، عكست بدورها رغبة في منع تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة مع طهران.
ورغم ذلك، فإن استمرار الخطاب التصعيدي في بعض الأوساط الإيرانية، إلى جانب تصاعد الحديث عن استهداف البنية التحتية للطاقة أو الممرات الاقتصادية في المنطقة، يشير إلى أن عوامل التوتر لا تزال قائمة، وأن احتواء الأزمة الحالية لا يعني بالضرورة إزالة أسبابها.
وتبرز تركيا باعتبارها إحدى أكثر الدول تأثرًا بأي تقارب بين الأزمتين. فأنقرة تقف عند نقطة التقاء البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط، وتمتلك علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع أوكرانيا وروسيا وإيران وأذربيجان في آن واحد، فضلًا عن كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي وشريكًا رئيسيًا في مشاريع الممر الأوسط وشبكات الطاقة العابرة للحدود.
ومن ثم، فإن أي توسع للتوتر في بحر قزوين أو القوقاز سيضع السياسة التركية أمام اختبار أكثر تعقيدًا. فالمعادلة التي اعتمدتها أنقرة خلال السنوات الماضية، والقائمة على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، قد تصبح أكثر صعوبة إذا ما أصبحت الأزمتان جزءًا من معادلة استراتيجية واحدة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع مصالح الطاقة والممرات الاقتصادية.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا تبدو الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة مع إيران في طريقهما إلى الاندماج الكامل، إلا أن المؤشرات الحالية تكشف عن مرحلة جديدة تتزايد فيها نقاط التقاطع بين الصراعين بصورة غير مسبوقة. فالتنافس لم يعد يدور فقط حول خطوط القتال، بل أصبح يشمل شبكات التسليح، وممرات التجارة، وأمن الطاقة، والتحالفات السياسية، بما يعكس انتقال النظام الدولي إلى بيئة أكثر تعقيدًا وتداخلًا.
وإذا استمرت هذه الديناميكية، فقد يتحول بحر قزوين، إلى جانب البحر الأسود والشرق الأوسط، إلى إحدى أهم حلقات الربط بين الأزمتين، الأمر الذي لن يغيّر طبيعة الصراعين فحسب، بل قد يعيد تشكيل أولويات الأمن الإقليمي والدولي خلال السنوات المقبلة، ويفرض على القوى الإقليمية إعادة صياغة سياساتها بما يتناسب مع بيئة استراتيجية تتراجع فيها الحدود التقليدية بين مسارح الأزمات.