هل أصبح الجواز اليمني عبئاً على حامله؟
أصبحت تلك اللحظة التي يمر بها كل مواطن يمني عندما يقف في طابور الجوازات بمطار الوجهة التي يصل إليها، وتلك الثانية التي يمتد فيها موظف أمن الحدود بيده نحو الدفتر الأزرق (الجواز اليمني) ويقلّب صفحاته ببطء متعمد، ثم ينظر إليك في تلك اللحظة، تشعر بها أنك لست مسافراً بل مشكلة يجب حلها.
هذا ليس شعوراً مبالغاً فيه ولا حساسية زائدة، بل إنه واقع موثّق بالأرقام قبل أن يكون موثّقاً بالمشاعر. فإن جواز السفر اليمني يحتل باستمرار مراتب متأخرة جداً، بل الأخيرة في مؤشرات قوة جوازات السفر العالمية. الجواز اليمني لا يمنح حامله دخولاً بلا تأشيرة إلا لعدد ضئيل من الدول، بينما يُغلق أمامه معظم العالم أبوابه أو يفتحها بشروط مرهقة، تحقيقات مطوّلة، وضمانات مالية يصعب توفيرها في بلد انهارت عملته وتوقفت رواتب موظفيه وأغلقت أغلب بنوكه.
النتيجة أن وثيقة السفر هذه، التي يُفترض أن تكون بوابة المواطن اليمني إلى العالم، ليسافر ويكتشف ما حوله دون أي قيود، تحوّلت إلى عبء؛ لا تفتح باباً، ولا تمنح ثقة، ولا تختصر إجراءً، بل تجلب لك المساءلة القانونية عند وصولك إلى وجهتك أينما تكون.
ما يعيشه المسافر اليمني عند كل بوابة حدودية ليس استثناءً، بل هي قصص ومواقف يومية لمشهد واحد يتكرر ولكن بصيغ مختلفة. أحد المواطنين اليمنيين، وأثناء ترانزيت عابر بمطار إسطنبول، وجد نفسه محاطاً بموظفين وشرطة بسبب خلل بسيط في نوع تذكرته، وتصاعد الموقف حد التهديد بالقوة، إلى أن أخرج جوازاً أوروبياً كان يحمله أيضاً. حينها فقط تبدّل كل شيء: نفس الوجه، نفس التذكرة، نفس الرجل، لكن المعاملة اختلفت كلياً؛ لم يكن هو من تغيّر، بل الغلاف الذي بيده.
هذا الموقف الصغير يختصر أزمة أكبر بكثير من موقف عابر في مطار. فخلف كل نظرة ريبة عند بوابة حدودية، تقف أرقام مفزعة: أكثر من 22 مليون يمني، نحو ثلثي السكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأكثر من 18 مليون يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وأكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون سوء تغذية حاد حسب تقارير الأمم المتحدة. هذه الأرقام لا تصل إلى طاولة موظف الجوازات، أو حتى السفارات، بل هي قد تكون خلف كل قرار يُصدر بحق حامل هذا الجواز قبل أن ينطق بكلمة واحدة.
إن المعضلة الحقيقية تتجاوز مجرد إجراءات روتينية؛ بل يتحول اليمني من سائح أو طالب علم أو مستثمر يبحث عن فرصة، إلى عبء ديموغرافي أو اقتصادي محتمل تخشى تلك الدول استضافته. تصبح الرحلة بأكملها محاولة لإقناع الآخرين بأن السفر رغبة في الحياة والاطلاع، وليس هروباً من جحيم الواقع الذي يلاحق المسافر أينما حل وارتحل.
الحل ليس في حملة إعلانات تبرر للعالم أن اليمنيين ليسوا كما يُظن، ولا في تجميل صورة الوثيقة نفسها. بل الحل الحقيقي في دولة تعمل، واقتصاد ينهض من جديد، وسلام يُبنى بدل أن يُنتظر لعقد آخر.
إلى أن يتحقق ذلك، سيظل كل يمني يحمل، في حقيبة سفره، وطناً بأكمله يُحاكَم في كل مرة يُفتح فيها ذلك الغلاف الصغير عند بوابة حدودية بعيدة جداً.