"ستارلينك" في بغداد
في أول زيارة للحكومة العراقية الجديدة والتي كانت محطتها الولايات المتحدة، بعد سنوات من التذبذب في شكل العلاقة بين واشنطن وبغداد بسبب تشابك الملفات الأمنية والاقتصادية بين البلدين والتوتر الحاصل على المستوى السياسي، سعى رئيس الوزراء علي الزيدي لخلق نموذج جديد يأخذ العلاقة نحو مسار لم يعتده المشهد في العراق بعد عام 2003، وبدعم واضح من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
بالفعل أُعلن عن شراكة اقتصادية ضخمة من داخل المكتب البيضاوي ممزوجة بمدحٍ ترامبي لرئيس الوزراء العراقي، بإعلان وصفته الصحافة الأميركية بأنه الأكبر منذ عقود، ونقطة تحول شاملة بالعلاقات بين البلدين. بدأ الإعلان بشراكات واسعة على مستوى الطاقة والبنوك والتبادل التجاري، ولم يغفل ترامب عن التركيز على احتياطي النفط العراقي، وأكد أنه على أعتاب الإعلان عن أكبر شراكة نفطية مع العراق.
قبيل مغادرة الزيدي بأسابيع، شهد الشعب العراقي صولة لم يعتدها مطلقاً أسموها "صولة الفجر" أطاحت بأكثر من أربعين فاسداً بينهم مسؤولون ونواب ورؤساء كتل سياسية لهم حضورهم الواضح في المشهد العراقي. هذه الحملة ربطها محللون ومتابعون للمشهد السياسي في العراق بزيارة واشنطن واستندوا بذلك على بعض التسريبات التي تحدثت عن رسالة الدعم المشروط بحصر السلاح ومكافحة الفساد التي جاء بها مبعوث ترامب للزيدي قبيل المغادرة بفترة وجيزة، وهنا وُضع الزيدي أمام تحدٍ حقيقي؛ إما الفاسدون أو زيارة لواشنطن.
وبالفعل تحركت دبابات الزيدي وقوات النخبة العراقية لتنفيذ مذكرات إلقاء القبض الصادرة من القضاء العراقي والتي صدرت إثر اعترافات "عدنان الجميلي" وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير عام شركة مصافي الشمال سابقاً، الذي بحد ذاته سبب صدمة للشعب العراقي بعد حجم الأموال التي كُشفت لديه والتي تجاوزت المئة مليار دينار عراقي لحين كتابة هذا المقال، والتحقيقات لا زالت مستمرة والتقديرات تشير لمزيدٍ من الأموال التي سيتم اكتشافها فضلاً عن الأصول والذهب وغيرها.
فجر يوم الجمعة الموافق 17/7/2026 أعلنت الحكومة العراقية من واشنطن توقيع أكثر من ثمانية وأربعين اتفاقاً ومذكرة تفاهم وتعاون اقتصادي بين العراق ومختلف القطاعات النفطية والصناعية والتكنولوجية والمالية الأميركية، ليرسم هذا الإعلان مباشرة تحدياً جديداً أمام حكومة الزيدي؛ فالعراقيون "عقب صولة الفجر" طالبوا الحكومة العراقية بالاستمرار بحملة مكافحة الفساد وضرب رؤوس الفساد الكبيرة دون هوادة أو توقف، مستدعين بذلك صورة نصب "كهرمانة والأربعين حرامي" في بغداد بإشارة منهم لحجم رموز الفساد في العراق.
هذه المطالب بالضرورة تحولت لتساؤلات عديدة عن إمكانية هذه الشركات الأميركية من العمل في العراق مع وجود الرؤوس الفاسدة وحجم احتياج العراق لمواكبة التطور الذي تعمل به هذه الشركات، ومن هنا جاء الإعلان عن الصفقة التي أشعلت الرأي العام العراقي بين مؤيد ومعارض حول عمل شركة ستارلينك في العراق.
مساء يوم الجمعة ذاته أعلنت الحكومة العراقية وبرعاية الزيدي عن توقيع رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات بليغ أبو كلل، رخصة عمل ستارلينك في العراق رسمياً. جاء هذا الإعلان عقب تجاذب كبير داخل الرأي العام العراقي وانسحب ذلك التجاذب من كونه رأياً شعبياً لكونه رأياً رسمياً من خلال توجيه مجموعة من الأسئلة النيابية التي وُجهت من قبل نائبة في البرلمان العراقي ووزيرة الاتصالات في الحكومة السابقة هيام الياسري، إلى رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات، تضمنت أكثر من أربعين سؤالاً نيابياً.
ولم تكتفِ الياسري بتوجيه الأسئلة عبر القنوات والمخاطبات الرسمية، بل ذهبت لنشر تلك الأسئلة وطرحها للرأي العام مما استدعى ردوداً مباشرة من أبو كلل عبر صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث كانت تلك الأسئلة تدور حول كيفية منح الرخصة مع وجود العديد من الشبهات التي تحوم حول هذه الشركة بشأن خصوصية بيانات المشتركين في العراق وحول مدى إمكانية السيطرة على العمل داخل البلد في حال وُجدت مخالفات وأخرى تنظيمية وقانونية، فضلاً عن أسئلة تتعلق بحجم السيطرة على السيادة الرقمية في العراق، ومع ذلك كله، تاريخ السابع عشر من تموز جاء ليؤكد أن الشركة أصبحت الآن رسمياً عاملة في العراق لتكون بذلك "ستارلينك في بغداد".