عندما نفقد العالم الذي يجمعنا
ظل الرأي العام لعقود طويلة أحد أكثر المفاهيم رسوخا في الفكر السياسي الحديث، فقد جرى النظر إليه بوصفه التعبير الجماعي عن إرادة المواطنين، والوسيط الذي تنتقل عبره المطالب الاجتماعية إلى المجال السياسي، ولم يكن الرأي العام مجرد حاصل جمع الآراء الفردية، بل ثمرة فضاء عمومي تتقاطع داخله الأفكار، وتختبر فيه الحجج وتتشكل عبره القناعات بصورة تدريجية.
بيد أن هذا التصور يبدو اليوم أقل قدرة على تفسير الواقع السياسي الذي أفرزته البيئة الرقمية. فالمشكلة لم تعد تقتصر على تضليل المعلومات أو سرعة انتشارها، بل تمتد إلى الشروط التي تجعل وجود الرأي العام ممكنا من الأساس.
الرأي العام لا يولد من كثرة الأصوات، وإنما من وجود مساحة مشتركة تلتقي فيها هذه الأصوات. وقد افترضت الديمقراطيات الحديثة وجود مجال عمومي يسمح للمواطنين بالاطلاع على الوقائع نفسها، ومناقشة القضايا ذاتها والاحتكام إلى أرضية مشتركة مهما اختلفت مواقفهم منها. أما اليوم فقد أصبح هذا المجال أكثر تشظيا من أي وقت مضى. فلكل فرد تدفقه الخاص من الأخبار ولكل جماعة سرديتها ولكل منصة أولوياتها التي تحدد ما يستحق الظهور وما يبقى خارج دائرة الانتباه. ولم يعد الاختلاف يدور حول تفسير الوقائع وإنما أضحى يشمل الوقائع نفسها.
لم يكن المجال العام في يوم من الأيام فضاء للإجماع، بل كان فضاء للاختلاف. إلا أن هذا الاختلاف كان يفترض وجود نقطة انطلاق مشتركة؛ وقائع يعرفها الجميع وقضايا تتصدر اهتمام المجتمع ونقاشات يشارك فيها المختلفون، حتى وإن انتهى كل منهم إلى موقف مغاير. أما اليوم فقد تبددت هذه المعادلة، لم يعد المواطن يدخل إلى فضاء عام يلتقي فيه بالآخرين، وإنما إلى فضاء صمم وفق اهتماماته السابقة وسلوكه الرقمي وتفاعلاته اليومية. ومع كل نقرة وإعجاب ومشاركة تضيق مساحة ما يراه وتتسع مساحة ما يشبهه.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يعزل الأفراد عن المعلومات، بل يعزلهم عن بعضهم بعضا. فلكل مستخدم اليوم جدول أعماله الخاص وأولوياته الخاصة وحتى تصوراته الخاصة عما يحدث في العالم. وحين يغيب العالم المشترك، يصبح الحوار أكثر صعوبة، ليس لأن الناس فقدوا القدرة على الإقناع، بل لأنهم لم يعودوا ينطلقون من الوقائع نفسها. وهكذا يتراجع الرأي العام بسبب تفتت الأرضية التي كانت تسمح لهذه الآراء بأن تتحاور.
لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات لتنظيم الكم الهائل من المعلومات التي نتعرض لها يوميا، بل أصبحت تؤدي وظيفة أكثر عمقا تتمثل في إعادة ترتيب المجال العام نفسه. فهي تحدد ما يظهر أولا وما يتوارى في الخلف، وما يكتسب زخما وما يختفي قبل أن يحظى بفرصة للنقاش. وبهذا المعنى لا تصنع الخوارزميات آراء المواطنين، لكنها تشارك في رسم الإطار الذي تتشكل داخله هذه الآراء.
وبالتالي لم يعد الرأي العام يتكون داخل فضاء يرى فيه الجميع المشهد نفسه، وإنما داخل فضاءات متوازية لا يتقاطع ما يدور فيها إلا عرضا. فالقضية التي تشغل فئة من المواطنين قد لا تصل أصلا إلى فئة أخرى، والحدث الذي يبدو حاسما في منصة معينة قد يكون غائبا تماما عن منصة أخرى. ومع هذا التشظي يغدو الحديث عن "الرأي العام" كما لو أنه صوت واحد يعبر عن المجتمع، أقرب إلى افتراض نظري منه إلى وصف دقيق للواقع.
وربما لا تكمن المفارقة في أن الخوارزميات أصبحت أكثر قدرة على معرفة اهتماماتنا، بل في أنها جعلت معرفة المجتمع بنفسه أكثر صعوبة. فما كان يفترض أن يكون مساحة يلتقي فيها المواطنون لتكوين فهم مشترك، تحول تدريجيا إلى فسيفساء من الاهتمامات المتجاورة، حيث يعرف كل فرد جزء من المشهد، ويظن بحكم ما يراه أنه يرى المشهد كله.
لطالما افترض التواصل السياسي وجود جمهور يتشارك بدرجات متفاوتة، الاهتمامات نفسها والقضايا ذاتها، وكان الخطاب العمومي يبنى على هذا الافتراض؛ أن الرسالة الواحدة مهما اختلفت التأويلات، تصل إلى مجتمع يتابع النقاش نفسه. أما اليوم فقد أصبحت المؤسسات تواجه واقعا مختلفا، بسبب تعدد الجماهير التي تتلقى الرسائل داخل بيئات رقمية متباينة، لكل منها أولوياتها ولغتها وآلياتها في إنتاج الاهتمام.
هذا التحول دفع كثيرا من المؤسسات إلى إعادة صياغة خطابها بما يتلاءم مع منطق المنصات، إلا أن التحدي لا يكمن في شكل الخطاب وحده، بل في فقدان المجال المشترك الذي يمنحه معناه. فحين يتوزع المواطنون على فضاءات رقمية متوازية، يصبح الوصول إلى المجتمع أكثر تعقيدا من مجرد تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو تفاعلات واسعة. فالانتشار لا يعني بالضرورة أن الرسالة أصبحت قضية عامة، كما أن كثافة التفاعل لا تعني أن المجتمع يخوض نقاشا مشتركا.
لعل هذا ما يفسر الشعور المتزايد بأن الخطاب السياسي أصبح حاضرا في كل مكان، لكنه أقل قدرة على بناء توافقات أو إنتاج ثقة طويلة الأمد، فالتواصل العمومي لا يفقد فاعليته عندما يكثر الكلام، وإنما عندما يغيب الإطار الذي يجعل هذا الكلام تجربة مشتركة بين المواطنين.
ربما لا تكون أكبر أزمة تواجه الديمقراطية اليوم هي انتشار المعلومات المضللة، بل تراجع قدرتنا على بناء عالم مشترك نختلف داخله دون أن نفقد القدرة على فهم بعضنا بعضا.
ليس المقصود من هذا الحديث إعلان وفاة الرأي العام، بقدر ما هو دعوة إلى إعادة التفكير فيه، فالمفهوم الذي نشأ في سياق تاريخي كانت فيه الوقائع أكثر اشتراكا، ووسائل الإعلام أكثر توحيدا، والمجال العام أكثر تماسكا، يواجه اليوم بيئة رقمية أعادت توزيع الانتباه وفتتت دوائر النقاش وغيرت الطريقة التي يلتقي بها المواطنون حول الشأن العام.
ولذلك قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحا هو: كيف نحمي الرأي العام من تأثير الخوارزميات؟ وإنما: هل ما زلنا نملك الشروط التي تجعل وجود رأي عام ممكنا؟ فالديمقراطية لا تقوم على تشابه الآراء، ولا على غياب الاختلاف، وإنما على وجود فضاء يسمح بتحويل هذا الاختلاف إلى حوار، والحوار إلى فهم، والفهم إلى إرادة سياسية مشتركة.
إن التحدي الحقيقي في العصر الرقمي لا يكمن في استعادة الماضي أو مقاومة التكنولوجيا، بل في البحث عن صيغ جديدة تعيد بناء المجال العام، وتحافظ على حق المجتمع في أن يرى نفسه بوصفه مجتمعا، لا مجرد جماعات متجاورة يجمعها الاتصال وتفرقها الرؤية. فالرأي العام ليس عددا من الأصوات، بل القدرة على أن تصبح هذه الأصوات جزء من حديث واحد، مهما تعددت مواقفه واختلفت نتائجه.