السياسة والاقتصاد.. لمن القيادة؟

27 June 2026
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

من بين أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة والاقتصاديين وصناع القرار عبر التاريخ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد التعقيد في جوهره: هل الاقتصاد هو الذي يحدد مسار السياسة، أم أن السياسة هي التي تصنع الاقتصاد؟

للوهلة الأولى قد يبدو الجواب بديهيًا. فالبعض يرى أن السياسة هي صاحبة القرار، وأن الحكومات تضع القوانين وتفرض الضرائب وتقرر الحروب والسلام، وبالتالي فهي التي تحدد شكل الاقتصاد. في المقابل، يرى آخرون أن الاقتصاد هو القوة الحقيقية التي تتحكم بكل شيء، وأن السياسيين أنفسهم يتحركون ضمن حدود تفرضها الأسواق والموارد والثروات وموازين القوى الاقتصادية.

الحقيقة أن التاريخ يقدم أدلة لصالح الرأيين معًا.في القرن التاسع عشر، اعتبر كارل ماركس أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للتاريخ. فبحسب رؤيته، لا تنشأ الأنظمة السياسية والأفكار والقوانين من فراغ، بل تعكس مصالح الطبقات الاقتصادية المسيطرة. الدولة، في نهاية المطاف، ليست سوى انعكاس للبنية الاقتصادية السائدة.

وعندما ننظر إلى بعض المحطات التاريخية الكبرى، نجد ما يدعم هذه الفكرة. فالثورة الصناعية في أوروبا لم تغيّر طرق الإنتاج فقط، بل غيّرت شكل المجتمعات والأنظمة السياسية. وصعود الطبقة البرجوازية أدى إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة الأوروبية. حتى الحروب الكبرى ارتبطت في كثير من الأحيان بالتنافس على الموارد والأسواق وممرات التجارة. لكن التاريخ نفسه يقدم رواية مختلفة أيضًا.

فالسياسة كثيرًا ما فرضت نفسها على الاقتصاد وغيرت مساره بالكامل. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، عندما ضرب الكساد الكبير الولايات المتحدة، لم يكن السوق وحده قادرًا على إخراج البلاد من الأزمة. جاء الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بمشروع "الصفقة الجديدة"، وهو تدخل سياسي واسع أعاد رسم العلاقة بين الدولة والاقتصاد وأطلق برامج استثمار وتشغيل ضخمة غيرت وجه الاقتصاد الأميركي.

وفي أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن التعافي الاقتصادي نتيجة قوى السوق وحدها، بل نتيجة قرارات سياسية استراتيجية، مثل مشروع مارشال وبناء مؤسسات اقتصادية جديدة أعادت إعمار القارة.

أما التجربة الآسيوية فتقدم مثالًا أكثر وضوحًا على قدرة السياسة على قيادة الاقتصاد. فدول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان لم تصبح قوى اقتصادية بسبب وفرة الموارد الطبيعية، بل نتيجة قرارات سياسية واعية استثمرت في التعليم والصناعة والتكنولوجيا والتصدير. هنا قادت السياسة الاقتصاد لعقود طويلة. لكن مع مرور الوقت، بدأ الاقتصاد يفرض شروطه على السياسة نفسها.

خذ الولايات المتحدة مثالًا. فالقوة الاقتصادية الأميركية الهائلة هي التي منحت واشنطن نفوذها السياسي والعسكري العالمي. الدولار لم يصبح عملة الاحتياط الأولى في العالم بقرار سياسي فقط، بل لأن الاقتصاد الأميركي أصبح الأكبر والأكثر إنتاجية وتأثيرًا. وفي المقابل، فإن أي رئيس أميركي، مهما بلغت قوته، لا يستطيع تجاهل معدلات التضخم أو البطالة أو الدين العام أو رد فعل الأسواق المالية.

الأمر نفسه ينطبق على الصين. فالتحول الاقتصادي الهائل الذي بدأ أواخر السبعينيات غيّر مكانة الصين السياسية والجيوسياسية. لم تصبح بكين لاعبًا عالميًا بسبب القوة العسكرية وحدها، بل لأن الاقتصاد منحها أدوات النفوذ والاستثمار والتجارة والتكنولوجيا.

لكن ماذا عن الدول المتعثرة؟

في لبنان مثلًا، يصعب الفصل بين السياسة والاقتصاد. فالانهيار المالي لم يكن نتيجة معادلات مصرفية فقط، بل كان حصيلة قرارات سياسية امتدت لعقود: عجز مزمن، فساد، محاصصة، وتأجيل للإصلاحات. هنا يبدو أن السياسة هي التي دمّرت الاقتصاد.

لكن بعد وقوع الانهيار، انعكست المعادلة. فالاقتصاد المنهار بدأ يفرض شروطه على السياسة. أصبح سعر الصرف، والتضخم، والدين العام، والمفاوضات مع صندوق النقد، عناصر تحدد هوامش الحركة السياسية للحكومات المتعاقبة. وكأن الاقتصاد الذي صنعته السياسة عاد ليقيدها.

لهذا السبب، فإن السؤال نفسه قد يكون مضللًا. فالاقتصاد والسياسة لا يتحركان في خطين منفصلين، بل في دائرة مغلقة. القرار السياسي يؤثر في الاقتصاد، والنتائج الاقتصادية تعود لتؤثر في السياسة. وكل منهما يعيد تشكيل الآخر باستمرار.

الحروب مثال واضح على ذلك. فالقرار السياسي بإشعال حرب قد يغير الاقتصاد بالكامل، لكن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب قد تجبر السياسيين لاحقًا على تغيير قراراتهم أو حتى إسقاط حكوماتهم. وكذلك الأمر بالنسبة للعقوبات والتجارة والطاقة وأسعار الغذاء والهجرة. لذلك ربما يكون السؤال الأدق ليس: من يقود من، بل متى يقود الاقتصاد السياسة؟ ومتى تقود السياسة الاقتصاد؟

في أوقات الاستقرار، غالبًا ما تملك السياسة مساحة أوسع للتأثير. أما في أوقات الأزمات الحادة، فإن الاقتصاد يتحول إلى قوة ضاغطة تفرض حدودًا صارمة على القرارات السياسية.

الخلاصة أن الاقتصاد والسياسة يشبهان وجهين لعملة واحدة. فلا اقتصاد يزدهر طويلًا في ظل سياسة فاشلة، ولا سياسة مستقرة يمكن أن تستمر فوق اقتصاد منهار. والتجارب التاريخية الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين، ومن أوروبا إلى آسيا، تثبت أن المجتمعات الناجحة ليست تلك التي ينتصر فيها الاقتصاد على السياسة أو العكس، بل تلك التي تنجح في جعل الاثنين يعملان في الاتجاه نفسه.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس أيهما أهم، بل كيف يمكن بناء علاقة صحية بينهما. لأن التاريخ يعلمنا أن السياسة السيئة تدمر الاقتصاد، كما أن الاقتصاد المنهار قادر في النهاية على إسقاط السياسة نفسها.