اقتصاد "القمة المغلقة" في ليبيا

11 June 2026
osamakv@yahoo.com
أسامة ابوبكر الصافي
تابع الكاتب عبر :

في الحالة الليبية، لا يمكن فهم التحديات الاقتصادية بمعزل عن البنية العميقة التي تحكم توزيع الثروة والفرص، فالنموذج السائد اليوم لا يعكس اقتصاداً إنتاجياً متوازناً بقدر ما يعكس ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد القمة المغلقة"، وهو نمط تتراكم فيه الثروة داخل دائرة ضيقة في الأعلى، بينما تتسع قاعدة المجتمع في الأسفل باتجاه متسارع من الهشاشة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وتآكل فرص الحراك الاجتماعي.

تشير تقديرات تحليلية لاقتصادات مشابهة في الطبيعة الريعية إلى أن 60% إلى 70% من الدخل غير النفطي في مثل هذه البيئات يميل إلى الدوران داخل دوائر محدودة من النفاذ إلى القرار والإنفاق العام، أكثر من كونه ناتجاً عن سوق تنافسية. في الحالة الليبية لا يظهر هذا الرقم كإحصاء رسمي بقدر ما يظهر كاتجاه بنيوي في طريقة توزيع الفرص الاقتصادية.

هذا النموذج لا يُختزل في فجوة دخل تقليدية بين غني وفقير، بل يتمثل في اختلال أعمق في بنية الفرص الاقتصادية نفسها، إذ تصبح القدرة على الوصول إلى الموارد والعقود والتمويل العام والوظائف ذات الدخل المرتفع مرتبطة بدرجة القرب من مراكز القرار الاقتصادي والإداري، أكثر من ارتباطها بالإنتاجية أو الكفاءة أو الابتكار. وهنا يتشكل ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الامتيازات"، حيث تُستبدل المنافسة الاقتصادية الطبيعية بمنطق النفاذ إلى الفرصة.

من هذا المنطلق، تتوسع ظاهرة "البحث عن الريع"، ليس فقط كسلوك فردي، بل كمنطق اقتصادي يعيد توجيه الموارد نحو الأنشطة الأقل إنتاجية والأكثر ارتباطاً بالامتيازات. ومع استمرار هذا النمط، يتطور تدريجياً إلى ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"الاستيلاء على الدولة"، حيث لا يقتصر النفوذ على التأثير في القرار، بل يمتد إلى إعادة تشكيل قواعد توزيع الثروة نفسها.

في هذا السياق، يصبح المال العام ليس مجرد أداة مالية، بل قناة لإعادة توزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع. وتشير تجارب الدول الريعية إلى أن ارتفاع نسبة الإنفاق الجاري إلى أكثر من 80% من إجمالي الإنفاق العام يؤدي عادة إلى ضعف أثر النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وهو ما يتقاطع مع الحالة الليبية حيث يغلب الاستهلاك على الاستثمار بشكل واضح، ما يحد من تراكم رأس المال المنتج.

 

غير أن الخطورة الحقيقية في "اقتصاد القمة المغلقة" لا تكمن فقط في تركّز الثروة، بل في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية على أساس هرمي جامد. فبينما تتوسع الثروات داخل القمة، تتآكل الطبقة الوسطى تدريجياً، رغم أنها تاريخياً تمثل المحرك الأساسي للاستهلاك والاستقرار والطلب الداخلي. وتشير تقديرات غير رسمية إلى تراجع مساهمة الطبقة الوسطى في الاستهلاك المحلي بما يقارب 20–30% خلال العقد الأخير، وهو مؤشر على انكماشها الهيكلي.

في الحالة الليبية، يتجلى هذا النمط بوضوح عبر مفارقة اقتصادية أساسية: وفرة في الإيرادات يقابلها ضعف في التحول التنموي الحقيقي. فالإيرادات النفطية، رغم أهميتها، لم تنجح في خلق قاعدة إنتاجية متنوعة أو اقتصاد قادر على التوسع خارج القطاع الريعي. والنتيجة أن المال العام أصبح يدور في حلقات إنفاق محدودة الأثر، دون أن يتحول إلى تراكم رأسمالي منتج.

من زاوية تحليلية أعمق، يمكن رصد مجموعة من التشوهات البنيوية التي تعزز هذا النموذج:

أولاً: ضعف كفاءة تخصيص الإنفاق العام، حيث يهيمن الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق الاستثماري، الذي لا يتجاوز في بعض التقديرات 10–15% من إجمالي الإنفاق الفعلي في فترات متعددة.

ثانياً: محدودية التكامل بين القطاعين العام والخاص، ما يقلل من قدرة السوق على خلق وظائف إنتاجية حقيقية.

ثالثاً: ضعف آليات الحوكمة الاقتصادية، بما يسمح باستمرار أنماط هدر لا يتم تصحيحها عبر السوق أو الرقابة المؤسسية.

كما يبرز دور الاقتصاد غير الرسمي كعامل بنيوي لا يمكن تجاهله، إذ تشير تقديرات مؤسسات بحثية إقليمية إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في بعض الاقتصادات المشابهة قد يصل إلى 30–40% من الناتج المحلي الفعلي. وفي الحالة الليبية لا يعمل هذا القطاع بمعزل عن الدولة، بل يتقاطع معها عبر شبكات مصالح معقدة، ما يخلق اقتصاداً مزدوج البنية: رسمي ضعيف الفاعلية، وغير رسمي عالي النفوذ.

وهنا تظهر نقطة حاسمة، فلا يمكن فهم "اقتصاد القمة المغلقة" دون إدخال عنصر القوة غير الاقتصادية في المعادلة. فالسوق الموازي للعملة، وتهريب الوقود المدعوم، والإتاوات على المنافذ، لا تمثل انحرافات عن النظام الاقتصادي، بل جزءاً منه، هذا التداخل بين الاقتصاد والسلطة الفعلية على الأرض يعزز استقرار القمة المغلقة ويجعل تفكيكها أكثر تعقيداً.

وتنعكس هذه الاختلالات بشكل مباشر على بنية المجتمع، فالقمة الاقتصادية لا تتوسع فقط في الثروة، بل أيضاً في النفوذ والفرص، بينما يتعرض القاع لضغط متزايد يتمثل في تراجع الدخل الحقيقي وارتفاع تكلفة المعيشة وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية. ومع مرور الوقت، يتعمق هذا الانقسام ليصبح فجوة ليست مالية فقط، بل فجوة فرص تمتد إلى التعليم والرعاية الصحية وسوق العمل.

وهنا يمكن فهم الظاهرة من خلال تداخل مفهومين أساسيين: عدم تكافؤ توزيع الدخلوتركيز الثروة، لكن في الحالة الليبية لا يحدث هذا التفاوت ضمن سوق تنافسي، بل ضمن اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الدولة كمصدر رئيسي للفرص، ما يجعل التفاوت أكثر حدة وأقل قابلية للتصحيح الذاتي.

الأثر الأعمق لهذا النموذج يظهر في ما يمكن تسميته بـ"التآكل الصامت للطبقة الوسطى"، فهذه الطبقة التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد مستقر، تتعرض لضغط تدريجي يؤدي إلى انكماشها، ما يضعف الطلب الداخلي ويجعل الاقتصاد أقل قدرة على امتصاص الصدمات.

كما يؤدي هذا النموذج إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة، حيث تتحول الدولة تدريجياً من منظم للفرص إلى موزع للامتيازات، وهذا التحول يأتي على حساب اقتصاد الإنتاج، ويضعف الحوافز المرتبطة بالعمل والاستثمار.

من النتائج المباشرة لهذا النمط ظهور “الاستقطاب الاقتصادي، حيث ينقسم المجتمع إلى قمة تملك الوصول إلى الموارد، وقاعدة تتحمل تكاليف التكيف مع الفقر والتضخم. هذا الاستقطاب لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يضعف الثقة في المؤسسات على المدى المتوسط.

وفي ظل استمرار هذا المسار، تتفاقم تكلفة الفرصة الضائعة، والتي في الحالة الليبية قد تعني ضياع ما لا يقل عن 20–30% من الإمكانات التنموية الممكنة بسبب سوء تخصيص الموارد وضعف الكفاءة المؤسسية. 

رغم حدة هذا النموذج، فإنه ليس قدراً محتوماً. فالتجربة الاقتصادية تشير إلى أن اقتصاد القمة المغلقة يمكن تفكيكه عبر ثلاث مراحل زمنية مترابطة:

قصير الأجل: إصلاح شفافية العقود العامة وربط الإنفاق بمؤشرات أداء واضحة.

متوسط الأجل: إصلاح هيكلي للقطاع المصرفي والحوكمة المالية، وتوحيد السياسات النقدية تدريجياً.

طويل الأجل: إعادة بناء نموذج اقتصادي إنتاجي عبر دعم القطاع الخاص، وتوسيع القاعدة الضريبية، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي تدريجياً.

في النهاية لا تكمن إشكالية الاقتصاد الليبي في حجم الموارد، بل في طريقة توزيعها وإدارتها، فحين تستحوذ القمة على الثروة وتتحمل القاعدة الكلفة، يصبح الاقتصاد في حالة اختلال بنيوي مستمر. أما حين تُعاد هندسة العلاقة بين الفرصة والموارد، يمكن تحويل الثروة من عنصر تركّز إلى عنصر انتشار، ومن أداة استحواذ إلى محرك تنمية.

وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل الاقتصاد: إما استمرار "اقتصاد القمة المغلقة" بما يعنيه من استقطاب وتفاوت وهيمنة للريع، أو الانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً وعدالة وقدر على إنتاج نمو شامل ومستدام.