بعد "حرب الظلال" في الشرق الأوسط
لم تعد المواجهة بين إيران وإسرائيل مجرد سلسلة من الضربات المتبادلة أو الرسائل العسكرية المحسوبة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الشرق الأوسط على تجنب حرب لا يريدها أحد، لكنها تقترب أكثر مع كل جولة تصعيد جديدة. وفي خضم متابعة الأخبار اليومية وتفاصيل العمليات العسكرية، يبرز سؤال أكثر أهمية من متابعة الحدث نفسه: هل ما نشهده اليوم صراعاً على الأرض، أم صراعاً على شكل النظام الإقليمي المقبل؟
أعاد التصعيد الأخير بين الطرفين طرح هذا السؤال بقوة، خصوصاً بعد انتقال المواجهة في أكثر من مناسبة من ساحات الوكلاء إلى مستويات أكثر مباشرة، وهو تطور اعتبره مراقبون مؤشراً على تراجع فاعلية قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت العلاقة بين الجانبين خلال السنوات الماضية. فكلما ارتفع مستوى الردود المتبادلة، تقلص هامش المناورة وازدادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو سوء تقدير للرد المقابل.
على مدى سنوات طويلة، نجح الطرفان في إدارة خصومتهما ضمن ما يمكن وصفه بـ"حرب الظلال"، كانت المواجهة تدور عبر ساحات متعددة وبأدوات غير مباشرة في كثير من الأحيان، ما سمح لهما بالحفاظ على معادلة دقيقة تجمع بين الردع وتجنب الانفجار الكبير. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
المفارقة أن إيران وإسرائيل تبدوان اليوم في وضع متشابه رغم العداء العميق بينهما. فكلاهما يسعى إلى إثبات قدرته على الرد وحماية صورته الردعية أمام خصومه وحلفائه، وكلاهما يدرك في الوقت ذاته أن الانتقال إلى حرب شاملة سيحمل كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية يصعب تحملها. لذلك تبدو التحركات العسكرية الأخيرة أقرب إلى محاولة رسم خطوط حمراء جديدة وتعديل قواعد الردع أكثر من كونها مقدمة لحسم عسكري نهائي.
لكن قراءة المشهد من زاوية عسكرية فقط قد تكون مضللة. فجوهر الأزمة الحالية يتجاوز الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى معركة أوسع تتعلق بالنفوذ السياسي وموازين القوة في المنطقة. فإيران تنظر إلى حضورها الإقليمي باعتباره أحد أهم عناصر أمنها القومي وأدوات ردعها الاستراتيجية، بينما ترى إسرائيل أن أي تمدد للقوة الإيرانية بالقرب من حدودها أو عبر حلفائها يمثل تهديداً مباشراً لا يمكن تجاهله. وبين الرؤيتين تتشكل دائرة مستمرة من الفعل ورد الفعل يصعب كسرها بسهولة.
اقتصادياً، تكشف الأزمة وجهاً آخر لا يقل أهمية عن الجانب العسكري. فمجرد ارتفاع احتمالات المواجهة ينعكس سريعاً على أسعار النفط وأسواق المال وحركة التجارة الدولية. كما أن المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية في المنطقة تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، ما يزيد كلفة التمويل والاستثمار ويؤثر في خطط النمو الاقتصادي. وفي عالم يتسم بترابط الأسواق، لم تعد تداعيات الأزمات الإقليمية محصورة داخل حدودها الجغرافية.
كما أن أي تصعيد واسع قد يعيد رسم أولويات الحكومات الإقليمية. فبدلاً من توجيه الموارد نحو مشاريع التنمية والبنية التحتية، قد تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي والأمني، وهو ما ينعكس على مسارات التنمية طويلة الأمد. ومن هنا فإن تكلفة التوتر لا تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق فحسب، بل أيضاً بالفرص الاقتصادية والاستثمارية التي تُفقد.
في المقابل، تدرك القوى الدولية، وفي مقدمها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية فقط. فأي اضطراب واسع في المنطقة قد يؤثر في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولهذا تتواصل الضغوط الدبلوماسية والاتصالات السياسية بهدف منع انتقال المواجهة من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة الصدام المفتوح، رغم إدراك هذه القوى أن قدرتها على ضبط سلوك الأطراف المتصارعة ليست مطلقة.
في النهاية، لا يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب حرب شاملة بقدر ما تقف أمام أزمة ثقة استراتيجية متفاقمة. فالمشكلة الأساسية ليست غياب القوة لدى الأطراف المختلفة، بل غياب صيغة مستقرة تضمن عدم تحول الردود المحدودة إلى مواجهة واسعة. وبين حسابات الردع ومخاطر الانفجار، يبقى الشرق الأوسط عالقاً في منطقة رمادية؛ لا حرب كاملة ولا سلام مستقر، بل صراع مفتوح على مستقبل التوازنات الإقليمية. وفي منطقة اعتادت العيش على حافة الأزمات، قد لا يكون الخطر الحقيقي في قرار الحرب نفسه، بل في احتمال وقوعها من دون أن يقررها أحد.