وحش وسط القافلة

23 مايو 2026
awwad.jafari@gmail.com
عواد الجعفري
تابع الكاتب عبر :

كانت آخر مرة يظهر فيها رئيس أميركي داخل سيارة مكشوفة عام 1963، عندما اغتيل جون كينيدي، وبعدها منع جهاز الخدمة السرية المعني بأمن رئيس الولايات المتحدة استخدام ذلك النوع من السيارات. يفسر هذا الأمر جانباً من التدابير الصارمة التي ترافق مواكب الرؤساء الأميركيين وغيرهم من المسؤولين في إداراتهم المتعاقبة فيما بعد، خاصة خارج بلادهم، لكن القصة لا تنتهي هنا.

يقول الدبلوماسي الأميركي البارز، آرون ديفيد ميلر، في كتابه "أراض طالت وعود عودتها" في سياق حديثه عن جهود بلاده في عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين في التسعينيات، إن وصول وزير الخارجية الأميركي في أي وقت من الليل أو النهار إلى القاهرة أو عمان أو دمشق يثير أزيزاً حقيقياً وعرضاً مثيراً للحضور الأميركي.

ويضيف في سياق الحديث عن رحلات الوزير إلى إسرائيل "كان موكب الوزير ومرافقيه يتجه محاطاً بمختلف أشكال سيارات الشرطة وبعويل صفاراتها، في رحلة مثيرة (من مطار تل أبيب) إلى الفندق في القدس. كانت هذه المواكب، وهي رموز تشير إلى القوة الأميركية، تثير انزعاج آلاف العرب والإسرائيليين لما كانت تسببه من إرباك لحركة المرور في كل مرة يغادر فيها الوزير". 

إذن، الأمر ليس مقتصراً على الجانب الأمني، وحديث ميلر هنا ينحصر على نحو خاص في مواكب وزير الخارجية، فما هو الحال بالنسبة إلى موكب الرئيس الأميركي؟ زيارة أي رئيس أميركي إلى أي دولة تحظى باهتمام دولي واسع، ولا عجب في ذلك، فهو صاحب أقوى منصب في العالم، وتُفرض حالة من الطوارئ في المدن التي يزورها حول العالم وقد يصل الأمر أحياناً إلى إغلاق المدن بأكملها.

تقول الكاتبة جين سعيد المقدسي في كتابها "شتات بيروت" إن أول ما يشاهده المرء عندما تطأ قدماه الأراضي الأميركية هو الضخامة في كل شيء، من الشوارع إلى البنايات إلى السيارات، وهذا ما يتكرر كثيراً في روايات القادمين إلى أميركا حتى من أقرب الدول إليها مثل بريطانيا، حيث الشوارع الضيقة والمنازل المتلاصقة، وهذه الضخامة جزء من الثقافة الأميركية لابد من نقلها للعالم، ولا أفضل من المواكب وسيلة لذلك.

شاهدت بأم عيني مواكب 3 رؤساء أميركيين، زاروا مدينتي بيت لحم، وهم كلينتون وبوش الابن وأوباما، حيث كانت المدينة تشهد إجراءات أمنية صارمة، وكانت قافلة السيارات الأميركية السوداء اللون تمتد من أوله إلى آخره، في مشهد يضج بالهيبة، بما في ذلك السيارة الرئاسية الأميركية المعروفة بـ"الوحش".

وتضم قافلة الرئيس أيضاً مركبات للتشويش الإلكتروني على التفجيرات أو تعطيل إشارات التفجير عن بُعد، ولا يزور الرئيس الأميركي أي منطقة إلا بعد إجراء مسح أمني يصل حتى تفتيش الشوارع والبنايات المطلة على الطريق. إجراءات أمنية لا ريب في ذلك، لكنها ضرورية لبث الشعور بالقوة الأميركية، فإذا لم تكن هناك إجراءات على هذا النحو فما الذي سيميز الرئيس الأميركي عن غيره من الرؤساء وهو قائد القوة العظمى في العالم؟ وإذا لم تجسد القوة الأميركية في شيء بصري يدركه الصغير والكبير فما الفائدة منها أصلاً؟

وضح ذلك أيضاً من خلال موكب دونالد ترامب الضخم في زيارته الأخيرة إلى الصين، حيث حظي الموكب باهتمام إعلامي واسع كما الزيارة نفسها.

وما بلد المنشأ لسيارات الرئيس الأميركي وغيره من المسؤولين في إدارته؟ إنها أميركية، فإذا كان الرئيس لا يدعم سيارات بلاده، فمن سيدعمها أصلاً؟ وما من وسيلة لدعم هذه السيارات أكثر من استخدامها من جانب قائد الدولة. دققوا مثلاً في أنواع السيارات المستخدمة في موكب المستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني، إنهم يستخدمون سيارات صنعت في بلادهم، في أمر يُعرف باسم "اقتصاد الهوية".

إن الخلاصة التي أريدها من هذا المقال هي أنه لا يوجد شيء بالمصادفة في السياسة، فالمواكب وسيلة من وسائل الهيمنة البصرية، فما يقع على العين أشد وطأة من السمع، وما يقال صراحة قد لا يكون كافياً لشرح الحكاية كلها.